في أصل خراب الشرق الأوسط وعذاب قاطنيه الأربعاء, نوفمبر 29 2006 

الحزيرة نت 29 نوفمبر 06

ما ميز ولا يزال يميز الشرق الأوسط في نظام العلاقات الدولية مجموعة من السمات الخاصة حكمت عليه بالتحول إلى بؤرة توتر مستمرة وحرمته من عوامل أساسية للتقدم على طريق التنمية الانسانية الاقتصادية والاجتماعية وأدانت شعوبه بالبقاء في أسر النظم المافيوزية ولا تزال تدفع ببلدانه نحو العزلة والهامشية والانحلال.

الأولى التدويل الناجم عن ارتفاع حجم الرهانات الدولية التي تنطوي عليها، سواء ما تعلق بموقعها الجيوستراتيجي كعقدة مواصلات بين القارات والتكتلات الكبرى الدولية، أو كأكبر مصدر للطاقة النفطية وأعظم خزان لها، أو بوصفها البقعة التي وقع عليها الاختيار لتكون مسرحا لحل دراما المسألة اليهودية، التي ارتبطت في أوربة والمجتمعات الغربية عموما بالعداء للسامية على مدى قرون عديدة متتالية، ووجدت أقصى تعبيراتها في كارثة المحرقة والمذابح الجماعية لليهود الغربيين الذين قضوا بالملايين في القرن العشرين على يد قوى النازية والفاشية الاوروبية. ولم تنفرج هذه الأزمة إلا بإعلان فلسطين دولة إسرائيلية وصب الأوروبيين دعمهم المطلق لهذه الدولة ومساعدتها على تحقيق سياساتها بصرف النظر عن نتائج ذلك على سكان البلاد الأصليين ومصيرهم.

أعطت هذه العوامل وعوامل أخرى غيرها أقل أهمية، لمنطقة الشرق الأوسط، والمشرق العربي الذي يشكل قلبها بشكل خاص، اهمية استراتيجية استثنائية ومستمرة منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم. فالمسألة الشرقية التي شغلت دبلوماسية القرن التاسع عشر الاوروبية تعود اليوم من جديد على شكل مسألة إسلامية وعربية. وهي المسألة التي تكاد تحتل الجزء الأكبر من اهتمام الدبلوماسية الدولية وتشكل مصدر التوتر الأول في نظام العلاقات الدولية للحقبة الراهنة.

والسمة الثانية هي تباين المصالح و المواقف الدولية تجاه هذه الرهانات، ونزاعها الطويل والمستمر فيما بينها على تأمين مواقعها او تطبيق ما تعتبره حلولا تنسجم مع مصالح كل منها تجاه المشاكل التي يطرحها الأمن والاستقرار والسلام في الشرق الأوسط. وهو ما جعل من المنطقة مسرحا للصراع والتنافس بين الدول الكبرى وحولها إلى حد كبير إلى مناطق نفوذ تتقاسمها هذه الدول حسب قوتها ومبادرتها. وقد عمل ذلك كله على تدويل عملي للمنطقة، وعلى وضعها بشكل ضمني تحت الوصاية الغربية التي لم تكف في سبيل الدفاع عنها عن وضع الخطط والاستراتيجيات الدفاعية التي تضمن إغلاقها في وجه المنافسين والخصوم. وكما عمل هذا السياق الدولي على تقليص سيادة الدول الشرق أوسطية، وفرض عليها نوعا من نظام التبعية البنيوي الذي يستحيل التحرر منه، جعل من الحرب ضد القوى المحلية التي تنزع إلى السيادة والاستقلال سياسة رسمية دائمة للكتلة الغربية التي تمثل الطرف الدولي الرئيسي المسيطرة على المنطقة منذ قرنين على الأقل. وما كان لهذا الوضع إلا أن يضعف صدقية الدول المحلية، ويسيء إلى شرعية النخب الوطنية، ويضيق من هامش مبادرتها على صعيد السياسة الدولية، وتجاه الرأي العام المحلي نفسه الذي أصبح ينظر إليها على أنها أدوات في يد السيطرة الأجنبية.

وهكذا، لم يعد من الممكن الفصل بين الصراع الدولي على المنطقة والصراع السياسي داخل المنطقة وكل بلد فيها على السلطة والاختيارات الايديولوجية وما تمثله من نظم وأنماط حكم وإدارة. فأكثر مما هو الحال في أي منطقة أخرى، تتحكم العوامل الخارجية هنا في رسم حدود مسرح السياسة الداخلية وعواملها وفرصها وآفاقها التاريخية. والقانون السائد بشكل عام هو أنه لا توجد ضمانة للوصول إلى السلطة أو للنجاح في الحكم لأي قوة داخلية لا تكون مدعومة بشكل فعال وناجع من قبل الكتلة الغربية أو بعض دولها المؤثرة. لا يعني ذلك بالطبع أنه من غير الممكن لقوى غير ممالئة للغرب أن تصل إلى السلطة، ولكنه يعنى أن وصولها إلى السلطة لا يجلب الاستقرار وإنما يفتح عليها في الوقت نفسه معارك داخلية وخارجية لا تستطيع مواجهتها إلا بتطوير استراتيجيات كبرى ذات طابع دولي أيضا.  كما حصل مع التجربة الناصرية التي احتمت بحركة عدم الانحياز وكانت وراء تكوينها، كما حاولت الدفاع عن نفسها واستقلال قرارها بتطوير استراتيجية هجومية في المنطقة العربية تحت إسم القومية العربية التي سعت من خلالها إلى تعبئة الرأي العام العربي ضد مواقع النفوذ والسيطرة الغربية، وجعلت من تصفية الاستعمار وذيوله نواة سياستها الوطنية والاجتماعية. ومع ذلك لم تنجح في وضع حد لنظام الوصاية الغربية واستنزفت قواها في الحروب والمواجهات الإقليمية، قبل أن تقوض أسسها الهزيمة الكبرى أمام إسرائيل في يونيو 1967.

وكما عمل وجود موضوعات رهان كبرى ذات أبعاد عالمية على تدعيم التدخلات الأجنبية في المنطقة وجذبها، أدى الخلاف بين المصالح والتوجهات الخاصة بالدول الكبرى المتدخلة وصاحبة النفوذ إلى تعريض المنطقة بشكل مديد إلى منطق  الحرب الباردة الدائمة. تلك التي قسمت المنطقة لعقود طويلة بين الغرب والاتحاد السوفييتي، خلال الحرب الباردة الكلاسيكية المعروفه، وتلك التي عبرت عن التنافس الاوروبي الأمريكي بعد زوال الحرب الباردة، ثم تلك التي تتجلى اليوم في الصراع على السيطرة على الشرق الأوسط بين الكتلة الغربية والآسيوية، التي لا تزال تعمل من وراء ايران وتعزيز المحور الايراني السوري اللبناني. هكذا لم تخرج المنطقة عن منطق الحرب الباردة بالرغم من انتهاء هذه الحرب ولا يزال أمامها فرص كبيرة للغرق المديد فيها. وهو ما يعلق مصير المنطقة ودولها وشعوبها وسياساتها على النزاعات الدولية، ويحد من قدرة الشعوب على تقرير مصيرها، كما يقدم للقوى الحاكمة فرص اللعب على النزاعات الدولية للهرب من التزاماتها تجاه شعوبها، وتوفير وسائل حماية وجودها والوقوف في وجه أي معارضة تقف في طريق استمرارها. وكما أنه لا ديمقراطية ممكنة من دون إرادة شعبية حرة، لا توجد إرادة شعبية حرة من دون سيادة وطنية.

والسمة الثالثة انتشار القوميات المحبطة ونزاعاتها الدورية والمستمرة. هكذا تتمير منطقة الشرق الأوسط، اكثر من أي منطقة أخرى في العالم، بسبب التركيب الاستعماري لخريطة توزيع الدول فيها، وحرمان البعض منها وإعطاء أكثر من دولة لشعب آخر، وهو أحد نتائج وضعها الدولي المذكور نفسه، بأنها منطقة القوميات او الحركات القومية المحبطة، والوطنيات غير القادرة على تحقيق ذاتها وإنجاز أهدافها واكتمال هويتها. وبالتالي فهي منطقة القوميات والوطنيات الناقمة أيضا بسبب ما تعانيه من إخفاق وحصار وانعدام آفاق. ومن هذه القوميات واهمها القومية العربية، لكن أيضا الكردية والفارسية وغيرهما من القوميات الصغرى المهمشة أو المغدورة او المقموعة. وتشكل هذه القوميات المحبطة براكين مشتعلة، على استعداد دائم للتنازع فيما بينها، والنزاع مع الكتلة الغربية المسؤولة عن إحباطها، ومع النظام الدولي الذي يعكس إخفاقها ويكرسه. في هذا السياق يظل الدفاع عن الهوية والنزاع من اجل تأكيدها محور أجندة الحركات السياسية الشعبية، في الوقت الذي يؤدي فيه فشل المشاريع القومية وإخفاقها إلى تنامي روح العصبية الطائفية والقبلية والمذهبية داخل صفوف الكتلة الشعبية، فاتحا بذلك مسرحا إضافيا للنزاعات الإتنية داخل المجتمعات المنتمية للقومية ذاتها.

وبقدر ما تفترض الديمقراطية الاستقرار والتحول نحو أجندة تنمية سياسية وإجتماعية، تصب عنايتها أساسا على الفرد المواطن وتعزز موقعه ومكانته في المجتمع والدولة، يدفع منطق النزاع  السائد بمختلف أنماطه إلى التضحية بالفرد وبفرض التنمية وتحسين شروط الحياة والمعيشة العامة للسكان، لصالح تاكيد الهوية والاستقلال والسيادة المهددة أو المقيدة أو المفرغة من مضمونها. وهو ما يعني أن فرص نمو قوى ديمقراطية قوية تظل ضيئلة جدا في مثل هذا الوضع. وهو ما تشير إليه الوقائع بالفعل في كل بلدان المنطقة. ويقدم النزاع العربي الاسرائيلي والحروب المستمرة التي فجرها، وهو النزاع الذي لا يزال مستمرا منذ قرن من دون انقطاع،  النموذج الساطع عن تأثير مناخ الصراع القومي والأقوامي على مصير القوى الديمقراطية، وعلى الديمقراطية بشكل عام في المنطقة الشرق أوسطية. وأكثر فأكثر يجر النزاع العربي الاسرائيلي إلى تعبئة المشاعر والعصبيات الدينية والقومية، ويدفع إلى تحويل المقاومة الخارجية والتركيز على العدوان الأجنبي إلى الأجندة الوحيدة السائدة في السياسة العربية، ويهمش جميع القوى التي تعمل على توجيه الرأي العام نحو مطالب تتعلق بتحسين شروط ممارسة السلطة وشروط الحياة والعيش داخل المجتمعات. وليس هذا من الأمور المستغربة او الغريبة. فعندما تتعرض المجتمعات إلى عدوان خارجي دائم، يتقدم الدفاع عن المصير العام على أي دفاع آخر عن مصالح الأفراد والجماعات. وتستطيع النظم الاستبدادية التي تتحكم بوسائل الدعاية والإعلام أن تعمق من هذا الاتجاه، وأن تستفيد منه لحرف الأنظار عن ممارساتها الشائنة. وهو ما يفسر إلى حد كبير نجاحها في عزل القوى الديمقراطية بالفعل في السنوات الماضية باسم الدفاع عن المصالح القومية ومقاومة الاستعمار والصهيونية وحماية تراث الاسلام وصون كرامته امام الاعتداءات والاستفزازات الغربية.

والسمة الرابعة مركزية الدولة وضمور المجتمع المدني في تنظيم الشؤون العمومية. وترجع قوة الدولة والمكانة المركزية التي تحتلها في المجتمعات الشرق اوسطية، وقدرتها على ضبط المجتمعات واحتواء حركتها واستيعابها، إلى عاملين رئيسيين. قوة التحالفات التي تجمع النخب الحاكمة عموما مع المنظومة الدولية الغربية والمصالح التي تربط بينهما، في جميع المجالات الاستراتيجية والمالية معا. أما السبب الثاني فهو حيازتها على عوائد ريعية استثنائية بكل معنى الكملة واستخدامها لهذه العوائد، مستفيدة من تفاهمها مع الغرب، لبناء نظم مستقلة كليا عن المجتمعات، وقادرة على البقاء من دونها، وفي مواجتها معا. وهذه الاستقلالية التي نجحت هذه النظم في بنائها هي التي قوت من رصيدها في نظر الدول الغربية وزادتها مراهنة عليها كوكيلة لمصالحها وشريكة محلية لها في حفظ الامن والنظام الإقليميين. فبفضلها ضمنت هذه الدول نظما محلية تستطيع أن تستوعب حركة شعوب ومجتمعات ينظر إليها على أنها مصدرا للنزاعات القومية والدينية المتطرفة، وبالتالي لحركات مناوئة للغرب ومعادية لمصالحه. وجاءت ولادة حركات الارهاب الاسلامية في العقدين الأخيرين، واختيار بعضها الساحة الدولية، والغربية خاصة، مسرحا لعملياتها الانتقامية، لتعزز من خوف التحالف الصناعي الغربي وتزيد تعلقه بنظم برهنت على قدرتها على إخضاع الكتلة الشعبية بصرف النظر عن المعايير التي تستخدمها في إخماد حركات النقد والمعارضة والاحتجاج الداخلية، وغياب أي شكل من الحياة السياسية واحيانا القانونية فيها. 

وكانت النتيجة الطبيعية والمباشرة لهذا التفاهم بين النخب الحاكمة المحلية والتحالف الغربي في الشرق الأوسط التحييد السياسي الكامل للشعوب، وشل إرادتها بالفعل، وتفتيت قواها السياسية والمدنية، وإقامة نظم متكلسة ومنغلقة على نفسها، ليس لها أي تواصل مع شعوبها، ولا تعرف طريقة أخرى لكسب تأييد هذه الشعوب ولا التعامل معها سوى استخدام وسائل القمع والقهر السافر والمقصود لذاته من أجل إعطاء العبرة والمثال. ولذلك ارتبطت صورة هذه النظم كما لم يحصل في أي نظم أخرى بتعدد قوى الأمن وتنوع أجهزته، واتساع دائرة ممارساته اللاقانونية، وشمول صلاحياته كل الشؤون العمومية. فصار الأمن هو البديل الحقيقي للسياسة. وأصبح العمل السياسي المعارض عملا فدائيا بالمعنى الحقيقي للكملة يعرض فيه صاحبه نفسه لكل المخاطر، من الصرف من الوظيفة إلى الاعتقال التعسفي إلى التعذيب إلى السجن المديد إلى القتل. وطالما شعرت النخب الحاكمة أنها تحظى برضى الغرب وتأييده، وأنها تتمتع بالموارد المادية والمالية الضرورية لتسيير اجهزتها، لم يعد هناك ما يدفعها للنظر في قضايا الشعوب، ولا التساؤل عن مصيرها، ومن باب أولى التوقف عند حقوقها ومصالحها. وهكذا حولت هذه النخب الدولة إلى مزرعة، وجعلت من قوى الجيش والأمن ميليشيات خاصة تستخدمها لفرض الإذعان على مجتمع من الأقنان، واستعملت الإرهاب لردع قوى المقاومة الضيئلة التي لا تزال تتجرأ على الوقوف في وجه الاستبداد وتوجيه النقد إلى سياساته.

من المستحيل في ظل هذا النظام الذي يلغي السياسة من الأصل، ولا يعترف بحقوق ولا واجبات، ويكرس “ألوهية” الحاكم وعصمته، كما يكرس توارث مناصب المسؤولية في كل المؤسسات، أن تقوم مجتمعات مدنية، أي أيضا سياسة، بالمعنى الحقيقي للكملة. وكل ما نعرفه من المنظمات والهياكل المدنية يتوزع بين مجموعتين، فئة المنظمات السياسية والحقوقية القائمة على جهود نخب المثقفين النشيطين المناضلين والمغامرين بمصالحهم وأحيانا أرواحهم أيضا، والمستندة في وجودها وتمويلها على المجتمع المدني العالمي، وفئة الجمعيات الخيرية التي تعمل تحت السقف المنخفض جدا للامن والسياسة الرسميين، ولا تستطيع أن تستمر وتعيش إلا بقدر ما تخضع لقاعدة الالتزام بمصالح جزئية، وتجنب الحديث او العمل في كل ما له علاقة، من قريب أو بعيد، بالشأن العام وبالقضايا المتعلقة ببناء المجتمعات المدنية. الدول تحولت إلى أجهزة ضبط وحصار وقمع، أي إلى أدوات للسيطرة المادية المباشرة والفورية، ولم تعد تتمتع بأي قيمة او بعد أو محتوى سياسي او أخلاقي او اجتماعي.

 

 

الدولة والجماعة الوطنية في المشرق العربي الأربعاء, نوفمبر 22 2006 

الاتحاد 22 نوفمبر 06

لم تنجح الدولة التي نشأت في المشرق العربي، على اثر تسويات مجحفة بين النخب المحلية والقوى الأجنبية، في التطور والتحول إلى دولة مواطنيها، أي إلى مرجعية لسلطة شرعية ومقبولة من قبل المجتمع، تستطيع أن تقوده وتلهمه، وتملأ الفراغ الذي تركه انحلال الدولة السلطانية القديمة وانحسار دور السلطة الدينية التقليدية. كما أن المقاومة الوطنية الشعبية الواسعة لمشروع هذه الدولة، المستلبة الإرادة والمفتقرة للهوية والمعنى، لم تنجح أيضا في فرض التغيير، أو في بناء مجتمع سياسي فاعل، قادر على تغيير بنية هذه الدولة أو على بناء دولته الخاصة الجديدة المرتبطة به والمنتمية إليه، سواء أكانت دولة المواطنة التي تقيم العلاقات المجتمعية على اسس سياسة عقلانية وقانونية طوعية، أو دولة الأمة العربية أو الاسلامية المتماهية ثقافيا وقيميا مع الجامعة والمعبرة عنها. ولا يزال الوضع كما كان منذ عقود، بل ربما زاد التعارض اليوم بين منطق الدولة ومنطق المجتمع والسياسة، بين منطق التشرذم الذي يسم المجتمعات المدنية ويدفعها إلى التنافر، ومنطق الوحدة الذي يؤسس لأمة ويقوم على تكوين إرادة جامعة. وكما زاد عدم الاستقرار من اندفاع النخب الحاكمة وراء طلب الحماية الأجنبية، دفع الإخفاق المستمر للمقاومات الأهلية إلى تزايد الرهان على تعبئة العصبيات ما قبل السياسية المذهبية والطائفية والأقوامية معا. وهو ما يقود أكثر فأكثر إلى التجويف السياسي للدولة، وإلى تحويل المقاومات الأهلية إلى تمرد عصبيات وجماعات وطوائف، لا علاقة لمشاريعها بأي رؤية وطنية واضحة ولا بقيمها وأهدافها.
والحال، لا يبني الدولة تعميق التبعية للخارج ومطابقة السياسات الوطنية مع الاستراتيجيات الأجنبية. وهي السياسة التي اتبعتها ولا تزال الغالبية العظمى من النخب العربية التي فهمت قانون اللعبة أو البقاء في الحكم في المنطقة، وقبلت بالعمل تحت مظلة القوى الغربية الفاعلة وعلى أجندتها. وهي تدفع اليوم فاتورة خوفها وقصر نظرها واستهتارها بمعايير السيادة والأمن والاستقلال، واستسهالها الحكم بالقوة، وتهميش المجتمعات وإخضاعها. فهي تجد نفسها محاصرة ومعطلة، لا قدرة لها على وقف الهجوم الشامل الذي تتعرض له من قبل قوى التمرد على النظام، المحلية منها والإقليمية والدولية معا.
لكن، بالمقابل، لا يكفي لبناء الوحدة الوطنية والارادة الجماعية، بما تتطلبه من سيادة واستقلال، الممانعة أو المقاومة السلبية التي تقوم على السعي إلى إفشال الخطط الغربية، ونقل المعركة إلى كل مكان في العالم، بهدف زعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي، أو تهديد سيادة الدول الأجنبية المسيطرة، في الوقت الذي يستمر فيه حرمان الشعوب، باسم القومية أو الدين أو التنمية أو الاستقرار، من الحريات والحقوق الأساسية التي لا وجود لها كشعوب، وليس كمجرد بضائع بشرية، من دونها. فإذا كانت الدولة تطلب السيادة، بعكس ما هو حاصل عند المدافعين عنها في البلاد العربية اليوم، فإن الوطنية التي تشكل روح الدولة ومبرر وجودها تطلب الوحدة والتفاهم بين أبناء الوطن الواحد، وهو ما لا يمكن أن يقوم اليوم على أسس أخرى غير أسس العدالة والحرية والمساواة، والاعتراف المتبادل، والتضامن، والتكافل، بين الأفراد الذين يكونونها، أي عكس ما تعمل عليه الممانعات الراهنة الخصوصية. وكما أنه لا يمكن تذويب المهام السياسية الخاصة ببناء الإجماع الداخلي في المهام الاستراتيجية المرتبطة بتأمين السيادة تجاه الخارج، لا يمكن أيضا تذويب مهام الحفاظ على السيادة الخارجية في المسائل السياسية الداخلية أو ردها إليها. فأساس الدولة الأمة، أو دولة المواطنة الحديثة، ركنان: سيادة الدولة التي لا يمكن قيام حقل سياسة داخلي وممارسة سياسية فعلية من دونها، وسيادة الشعب التي لا يمكن نشوء الحريات الفردية من دونها.
فالدولة مؤسسة والوطنية سياسة. وليس هناك قيمة للدولة إذا كانت لا تؤسس للسياسة، ولا قيمة للسياسة إذا كانت طائفية أو مذهبية أو فئوية أو محققة لأجندة التبعية الخارجية، ولم يكن هدفها وفي قدرتها أيضا إنشاء الحريات الأساسية الفردية والجمعية التي لا قيمة للدولة من دونها. وكما أن الدولة المفرغة من السيادة لا يمكن أن تكون مؤسسة صالحة لبناء حقل سياسة مستقل بما فيه الكفاية حتى يعكس مصالح مجتمعه، ويعبر عن إرادته العامة، كذلك لا تقود المقاومة إلا إلى الخراب والفوضى إذا اقتصرت على الصدام مع النظام المحلي والدولي القائم، ولم تنجح في بناء مفهوم بديل للدولة، أي في بلورة معالم سلطة شرعية ومؤسسات قانونية راسخة تخدم المجتمعات وتاخذ بيدها في عملية التنمية الشاملة والاندراج في الحضارة الانسانية.
لكن، في هذه الحالة، لا تتعلق الأمور بسلوك طرف واحد، خارجي أو داخلي، فحسب، ولكن بهما معا. فكي ما تكون هناك دولة مقنعة لسكانها، ينبغي أن يكون هناك نظام دولي أيضا يتيح تكوينها من حيث هي كذلك، أي يمكنها من تطوير الملكات، وفي مقدمها السيادة والاستقلال، التي لا سيادة شعبية داخل حدود الدولة من دونهما، وتوفير القدرات المادية والسياسية التي تجعل منها دولة المجتمعات والشعوب، ووسيلتهم في تحقيق أهدافهم وآمالهم حقا لا وهما، لا أن تبقى وكالة مصالح أجنبية او محلية ضيقة. وبالمثل، كي ما تكون هناك قومية بناءة، قادرة على توحيد الإرادة الجماعية والتأسيس لحياة مدنية وسياسية ناجعة وفعالة، ينبغي أن يتجاوز مفهومها رفض مشاريع الآخر وسياساته، مهما كانت عدوانية، ويؤسس لمشاريع وطنية جامعة، ملهمة ومعبئة، قادرة على توحيد المجتمعات وتفجير طاقاتها. وهو ما لا يمكن تحقيقه بالانكفاء على مفاهيم الممانعة والدفاع عن الهوية الخاصة، عربية كانت أم إسلامية أم مذهبية، ومن باب أولى على مجرد مشاعر العداء للغرب والصدام معه وتهديد مصالحه وأهدافه.
فكما أن الدولة ليست إفرازا تلقائيا، ولا تركيبا خصوصيا لهوية اجتماعية، ولكنها تركيبة عالمية تستمد معاييرها وقواعد عملها وشكلها وشرعيتها من النظام العالمي للدول الذي تأسست في إطاره، واعترف بها باعتبارها دولة مستقلة وعضوا في المنظومة الدولة، تشكل الوطنية تعبيرا عن وعي الجماعة لذاتها ونزوعها إلى التكون كفاعل تاريخي مستقل، في ساحة النشاط الحضاري العالمية. فالدولة بعكس الشعب، ذات هوية عالمية، وبوصفها كذلك فهي تشكل وسيلة للتواصل بين الشعوب وتجاوز خصوصياتها لبناء مجتمع دولي قائم على مباديء ثابتة وواحدة. ومن هنا، كما يستحيل بناء الدولة، أو التقدم في بنائها، من خلال مواجهة المجموعة الدولية أو بالخروج عليها ورفض التفاهم معها، يستحيل، بالمثل، ضمان صدقيتها واحترامها من قبل الجماعات التي تنضوي تحت رايتها إذا بقيت دولة ناقصة السيادة، وأظهرت الاستسلام للإرادة الخارجية والتبعية للجماعات الأخرى الخاصة. وفي المشرق العربي الذي خضع فيه بناء الدولة وممارستها لنفوذها، منذ تكوينها، لحاجات السيطرة الغربية، وارتبط تطور دورها ووسائل عملها، وعلاقتها بمجتمعاتها نفسها، بتطور مصالح الكتلة الغربية وتحالفاتها مع أطراف أو نخب محلية خاصة، ما كان من الممكن لفكرتها أن تستقر في الأذهان، ولا لآليات عملها ومؤسساتها أن تستقيم. فبقدر ما بدت هذه المصالح متعارضة مع المصالح الشعبية العربية أو منافية لها، أصبحت الدولة تظهر في الوعي العام وتتجلى كاداة للسيطرة الأجنبية، الخارجية أو الداخلية المتمردة على الجماعة الوطنية، أكثر منها وسيلة للتعبير عن إرادة هذه الجماعة وحاجاتها، وصار من غير الممكن لها أن تكون إطارا لنشوء وطنية فعالة وحية.

تحدي القوة الايراني والرد العربي عليه الأربعاء, نوفمبر 8 2006 

على إصرار طهران على الاستمرار في عملية اكتساب التقنية النووية وتطوير عملية تخصيب الأورانيوم على أراضيها، بعكس ما اقترحت عليها الدول الغربية المعنية بحظر انتشار الأسلحة الذرية، ردت الدول العربية الرئيسية بأسلوبين. الأول جاء مبكرا على لسان الأمين العام للجنة السياسات في الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر، السيد جمال مبارك، والثاني أتى من العربية السعودية وانتشر في بعض الدول العربية المجاورة، عكسته تصريحات بعض فقهاء أو علماء المملكة. قال مبارك الابن في خطبته في مؤتمر الحزب (19 سبتمبر ايلول 2006) أن مصر جاهزة للعودة إلى إطلاق برنامجها الذري الذي كانت قد أوقفته بعد كارثة شارنوبيل عام 1986. ولم تمض أيام حتى أكد الرئيس مبارك نفسه هذا الخيار مشيرا إلى حاجة مصر إلى موارد طاقة جديدة، ورغبتها في تامينها عن طريق استغلال التقنية النووية لأهداف سلمية.  في المقابل نزع عدد من علماء السعودية إلى التركيز منذ بعض الوقت على الصراع المذهبي، كرد فعل على الاختراق الذي أخذ يحققه ما سمي بالمحور الشيعي أو الايراني، كما ذكر الشيخ الحوالي، في مناطق بلاد الشام، أي في سورية ولبنان، وربما في العراق أيضا، ملمحا إلى أن مثل هذا الاختراق لن يبقى من دون رد.

وبالرغم من أن العلاقات العربية الايرانية لم تكن على درجة خاصة من التوتر في السنوات القليلة الماضية، بل نزعت إلى التطبيع خلال رئاسة خاتمي، إلا أن عددا من الأحداث المهمة التي جرت في الفترة الأخيرة دفعت البلدان العربية إلى الشعور بتفاقم الخطر الايراني، لم يكن تصميم إيران على امتلاك التقنية النووية إلا أحد العوامل فيها.

 ومما لا شك فيه أن تدهور الاوضاع العراقية بعد التدخل العسكري الامريكي عام 2003، قد زاد من مخاوف الدول الخليجية من تحول العراق إلى منطلق لتمدد نفوذ الثورة الايرانية الاسلامية، بعد أن راهنت عليه لعقود طويلة كدرع قوي يقف في وجهها ويدرء الخطر الايراني عنها. وجاء انتخاب أحمدي نجاد رئيسا للجمهورية الايرانية، وهو المعروف بتشدده وبسياسته القومية الايرانية، ليعزز من هذه المخاوف. لكن درجة الشعور بالتهديد سوف تتفاقم بشكل أكبر بعد أن نجح الرئيس الايراني الجديد في تشكيل محور قوي يجمع بين طهران ودمشق وبيروت ممثلة بحزب الله، ثم بعد الإنجاز العسكري الكبير الذي حققه هذا الحزب على إسرائيل في ايلول الماضي، وانسحاب دمشق من محور التنسيق السعودي المصري التقليدي واتهامها لشركائها السابقين بالتخاذل والتهجم عليهم. وما كان من الممكن لمشروع التقنية النووية الايرانية في مثل هذه الظروف أن يمر من دون أن يزيد من إحباط الدول العربية ومخاوفها. خاصة وأن ايران لم تقم بالجهد اللازم لتطمين هذه الدول، والخليجية منها بشل خاص، مسبقا. ولا يكفي ترداد بعض المسؤولين والمعلقين الصحفيين الايرانيين فكرة أن القوة النووية الايرانية لن تكون موجهة ضد جيرانها. كما لا يحل المشلكة تعاطف قطاعات واسعة من الرأي العام العربي الشعبي مع المشروع النووي الايراني واعتقادها بأن حصول ايران على السلاح النووي ربما يشكل عنصرا ايجابيا في توازنات الشرق الأوسط تضعف من قوة التفوق والردع الاسرائيلية وتساهم في تقليص نفوذ التحالف الغربي في المنطقة. 

 لكن في ما وراء كل هذه الاعتبارات، لا شك أيضا في أن مشروع ايران النووي يشكل تحديا متعدد الأبعاد للنظم العربية. فهو يهدد أولا، بقدر ما يساهم  في الكشف عن ضعف الاختيارات الأمنية العربية وفراغ القوة القائم الذي نجم عن تهافت هذه الخبارات، بتعميق القطيعة بين النخب الحاكمة والشعوب، ويدفع إلى المزيد من انحسار الولاء لها. وهذا ما يعكسه منذ الآن التعاطف العربي الشعبي الواسع مع مشروع ايران النووي، ويحوله إلى مصدر تهديد سياسي يتعلق بصدقية الأنظمة نفسها وشرعيتها. وهو يفاقم من مخاطر تفكك المنظومة العربية وتعميق الشرخ الذي أصابها منذ اتفاقية كمب ديفيد ثم حروب الخليج المتتالية. وهو ما يعبر عنه منذ الآن نجاح ايران في اختراق المجال الجيوستراتيجي العربي وتكوين حلف خاضع لها يمكن أن يعمل كذراع قوية قادرة على استخدامها داخل هذا المجال لخدمة أغراضها القومية. وفي ظروف الانقسام العربي الراهن وغياب المشاريع الفيدرالية والتعاون الأمني والسياسي، يمكن لطهران النووية إذا نجحت في فرض خيارها النووي أن تتحول إلى المحاور الوحيد للغرب حول شؤون المنطقة الشرق أوسطية، من فوق رأس العرب، وأن تستعيد إلى حد كبير، في إطار سلطة إسلامية، الدور الذي كان يقوم به نظام الشاه في المنطقة في إطار عقيدة قومية امبرطورية قديمة.  وفي هذه الحالة سيكون بوسع ايران التي تملك علاقات قوية وثابتة مع روسيا والصين، أن تتفاوض مع الدول الغربية على تقاسم مناطق النفوذ والمصالح في المنطقة الشرق أوسطية، على حساب البلدان العربية وربما أيضا ضدها. وليس هناك ما يمنع أن يكون ثمن هذا التفاهم، كما حصل مع العديد من الدول العربية ذات الايديولوجية القومية نفسها، غض النظر عما يحصل في فلسطين والتساهل وصرف النظر عن دعم القضية الفلسطينية بصورة عملية.

ما يستحق المناقشة إذن ليس حق الدول العربية في التخوف من امتلاك طهران للتقنية النووية، وإنما اسلوب الرد على المخاوف، وتأمين شروط الرد على التحديات والتهديدات المحتملة التي تكمن وراءها. وهنا أود أن أشير إلى خطر انجرار العرب إلى استراتيجية أمريكية تضر بمصالح العرب كما تضر بالمصالح الايرانية، بالرعم مما يبدو عليها من انحياز لصالح ضمان الأمن والاستقرار في منطقة الخليج، في مواجهة نزوع القوة والسيطرة الايرانية. فلا تخفي إدارة بوش الأمريكية، التي تتصرف على أنها طرف رئيسي، إن لم تكن الطرف الرئيسي المعني في المنطقة، عزمها على مقاومة المشروع الايراني بالقوة إذا اضطر الأمر، ورغبتها في دفع العرب إلى ضم جهودهم إلى جهودها لمواجهة الخطر الايراني. ويعني هذا الضم في الواقع تكوين جبهة عربية في مواجهة ايران ومعادية لها، تقدم للرئيس الأمريكي الغطاء السياسي الذي يمكنه من الاستمرار في سياساته التدخلية العسكرية المباشرة في الشرق الاوسط ومواجهة معارضته الداخلية والدولية. ومما يشجع بعض العرب على المراهنة على الخيار الأمريكي شعورهم بفراغ القوة الإقليمية بعد إجهاض مشاريع الأمن العربي المشترك جميعا، وغياب أي سياسات أمنية مستقلة، مما يجعل من الالتصاق بالولايات المتحدة الأمريكية والاعتماد الكامل عليها في نظر الكثيرين الخيار الوحيد القائم للدفاع عن المصالح الوطنية وضمان الأمن القومي.

بالرغم من كل ما يقال في هذا الخصوص، في الخليج بشكل خاص، لا أعتقد أن الالتصاق بالولايات المتحدة لتحقيق الأمن القومي والوطني قدر لا مهرب منه. بل أعتقد أكثر من ذلك أن الاصطفاف وراء الاستراتيجية الغربية، وخوض الحرب ضد ايران مع الدول الأطلسية، إذا حصلت، وفي سياق ذلك كله، العمل على تعبئة المشاعر المذهبية، السنية والشيعية، لخلق مناخ هذه الحرب وجر الجمهور البسيط إلى الانخراط فيها، لا يشكل خيارا أمنيا رابحا للعرب، لا على مستوى  الأنظمة ولا الدول ولا الشعوب. ولعل العديد من الأطراف العربية الرسمية تدرك ذلك، وتعرف أن من الممكن لهذا الخيار أن يقود إلى نتائج معاكسة تماما للمطلوب، كما حصل مع التدخل العسكري في العراق، بيد أنها ترى ربما أنه رغم سوئه فهو الخيار الوحيد المتاح. وهذا غير صحيح.، فبالرغم من صدق المخاوف التي تحدثنا عنها، لن يكون نتيجة مثل هذا الخيار سوى تحويل العرب إلى ضحية للمواجهة الغربية الايرانية، سواء ربحت ايران الرهان مع انقسام مجلس الأمن يشأن الطريق الأسلم لحل الأزمة النووية الايرانية، وحققت حلمها في امتلاك سلاحها النووي في مدى قريب أو متوسط، أو ربحت الولايات المتحدة رهانها في عزل ايران وإعداد ظروف التدخل العسكري لتدمير البنية التحتية النووية التي تعمل على تطويرها.

من هنا يبدو لي أن السؤال الحقيقي الذي يستحق الطرح لا يتعلق بتأكيد خطر الالتحاق بواشنطن والعمل على أجندتها القومية والانخراط الأعمى في استراتيجيتها الدولية، وإنما بمعرفة فيما إذا كان من الممكن للدول العربية اتباع سياسة مستقلة عن السياسة الامريكية والاطلسية عموما، تجاه ايران وتقنيتها النووية، أم أنها مضطرة، مهما كانت تقديراتها لحجم المخاطر التي ينطوي عليها، إلى السير في الطريق التي ترسمها الولايات المتحدة التي تسيطر، شئنا أم أبينا، على الأوضاع الاستراتيجية الشرق أوسطية، والذي يستحيل من دونها الحفاظ على أمن أي دولة خليجية.

لا أعتقد أولا أنه ليس هناك بديل عن الانخراط في الاستراتيجية الامريكية لضمان الأمن الوطني والقومي العربي والخليجي. بل العكس هو الصحيح. إن هذا الانخراط هو اليوم المصدر الرئيسي للمخاطر التي يمكن أن تهدد المنطقة باكملها. وثانيا ليس من الصحيح أنه من المستحيل بناء استراتيجية أمنية عربية مستقلة عن الاستراتيجية الامريكية حتى لو لم تكن معادية لها، كما يعتقد معظم القادة العرب اليوم. ولا ينبع الايمان بإمكانية بلورة استراتيجية أمنية بديلة ذات درجة من الاستقلال الاعتقاد بزوال السيطرة الأمريكية، ولا بضرورة مواجهة واشنطن والتمرد الطفولي عليها. إنه ينبع من واقع  انحسار قوة الردع الأمريكية نفسها ونشوء فراغ لا تستطيع واشنطن نفسها ان تملأه او تدعي ملأه. وهي نفسها بحاجة إلى قوى اخرى حليفة أو غير معادية على الأقل تساعدها في الحفاظ على تراجعها والتغطية على المصاعب التي تواجهها. وواشنطن تدرك أن ذلك قد حصل بسبب الأخطاء التي ارتكبتها ومحدودية الرؤية الاستراتيجية التي وجهتها وضيق أفقها. وهي نفسها تمر  اليوم في مرحلة مراجعة لهذه الاستراتيجية ليس من المؤكد ان ينجم عنها شيء كثير طالما أنها مرتبطة بأجندة السياسة الأمريكية الداخلية نفسها.

باختصار إن ما كان مستحيلا البارحة أصبح ممكنا اليوم، إلى حد كبير،  نظرا لما أصاب المواقع الأمريكية الاستراتيجية من تدهور في السنوات الثلاث الماضية والتناقضات التي ميزت خططها وتشوش أهدافها وتخبط تكتيكاتها، وهزائمها العسكرية المتتالية من أفغانستان إلى العراق إلى لبنان وفي النتيجة، إخفاقها في إقناع المجموعة الدولية بصحة اختياراتها. وهذا الانحسار  المتفاقم في قوة الردع الأمريكية، وانعدام الثقة باختياراتها هو الذي يفسر رفض نظام مهلهل مثل نظام البشير في السودان التهديدات الأمريكية، بل حتى استقبال مبعوث الأمم المتحدة والنقاش في مسألة استقبال قوات دولية، وكما يفسر دعوة العديد من المحللين والسياسيين الأمريكيين والغربيين واشنطن إلى العودة إلى أسلوب الحوار، بما في ذلك مع طهران، لتجنب كارثة قومية أمريكية في العراق، كما حصل في الماضي في فيتنام.  بل إن هذا الفراغ الأمني الذي ولده تهافت الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة هو الذي يفسر تنامي طموحات دولة مثل ايران واندفاعها لسده من خلال تطوير قدرتها العسكرية والتقنية وتغلغلها الواضح في المنطقة العربية، سياسيا وثقافيا ومذهبيا أيضا. من هنا، بدل الاصطفاف وراء الولايات المتحدة لدعم خياراتها الخاسرة، وتعزيز موقفها تجاه طهران، ينبغي على الدول العربية، بالعكس تماما، الاستفادة من انحسار النفوذ والقوة الأمريكيتين من أجل توسيع هامش اختياراتهم المستقلة، أي العمل على تطوير سياسة أمنية عربية مستقلة، قد يكون التفاهم العربي أولا وفتح مفاوضات مع ايران ثانيا ركيزتيها الرئيسيتين في إطار رؤية إقليمية جديدة لتعزيز استقلال المنطقة، وتوسيع هامش مبادرة دولها جميعا تجاه الأحلاف والتكتلات الدولية الخارجية. في نظري هذا هو الخيار الوحيد الناجع لاستيعاب مخاطر تنامي القوة الايرانية من جهة، وتقليل فرص الصدام والتنافس بين طهران والعواصم العربية الرئيسية من جهة ثانية، وإخراج المنطقة بأكملها من خطر التحول غلى مسرح للتنافس الدولي وللحروب الساخنة والباردة التي تنجم عنه.  إن خلق منظمة إقليمية للأمن والسلام في المنطقة، بالتعاون بين الدول العربية وايران وتركيا قد يكون الخيار الوحيد القادر على سد الفراغ الاسترتيجي الذي ولده انحسار القوة الردعية الأمريكية الاسرائيلية، وعلى تجنيب المنطقة مخاطر الدخول في منافسات ونزاعات متعددة الأطراف لا نهاية لها، لا يمكن أن تكون نتيجتها سوى توسيع دائرة الخراب والفوضى في عموم الشرق الأوسط، من دون الوصول إلى أي نتيجة نهائية يستطيع أن يستفيد منها أصحاب المنطقة، بل الدول الغربية والصناعية الكبرى المتنازعة نفسها. 

الأحد, نوفمبر 5 2006 

 Burhan Ghalioun is presently the Director of the Centre d’Etudes sur l’Orient Contemporain (CEOC) in Paris and a Professor of Political Sociology at the Universite de Paris III (Sorbonne Nouvelle). He is the author of several authoritative books as well as over a hundred academic articles in various journals.

وسائل تعزيز الديمقراطية في الشرق الاوسط مؤتمر المنظمات العربية دوحة اكتوبر 06 السبت, نوفمبر 4 2006 

مؤتمر المنظمات العربية غير الحكومية الدوحة 29 اكتوبر 1 نوفمبر 2006 

منذ سنوات عدة ونحن نتحدث عن وسائل تعزيز الديمقراطية ونضع التوصيات التي نأمل أن يأخذ بها أو ببعضها أصحاب القرار، في سبيل فتح طريق التحول السلمي نحو الديمقراطية وتجنب الانفجارات التي يسببها الجمود، والفوضى التي يمكن أن تنجم عنها. لكننا لم نتقدم كثيرا في الشرق الأوسط في هذا المجال. ولعل من المناسب اليوم تجاوز الحديث قليلا في التفاصيل من أجل بلورة الإطار النظري العام الذي يساعدنا على فهم مشكلة تعزيز الديمقراطية والصعوبات التي تعترضها في المنطقة الشرق أوسطية. من البداية يوحي الحديث غير النقدي عن وسائل تعزيز الديمقراطية بأن موضوع الخيار الديمقراطي قد تم حسمه، وأن المسألة تتعلق اليوم بتوسيع دائرة تطبيق هذا الخيار وتعميقه. وهو ما يمكن أن ينمي أوهاما كبيرة مضرة، عند الجمهور والباحثين الاجتماعيين في الوقت نفسه. والحال أن الواقع مختلف كثيرا عن ذلك في البلدان العربية. فبالرغم من حصول تغيرات جزئية هنا وهناك، وسعي بعض النظم التي تواجه تحديات تاريخية، وتتعرض لتهديدات جدية، للتغطية عليها من خلال إبراز بعض ملامح التغيير في السياسات السائدة، ليس التحول نحو الديمقراطية هو السمة الأبرز في تطور الأوضاع السياسة في المنطقة العربية، ولا احتمال ولادة ربيع ديمقراطي عربي، كما أشيع بعد تنظيم بعض الانتخابات التشريعية التعددية، هنا وهناك، في السنين الثلاث الماضية، وإنما العكس تماما. إن الطابع الأبرز للحقبة التي نعيشها الآن هو بالأحرى إجهاض عملية الحمل الديمقراطي وإجهاض الدفع الذي حصل في سبيل الديمقراطية منذ بداية هذه الألفية الثالثة، ونجاح النظم التسلطية في المنطقة في امتصاص الضغوط الداخلية والخارجية التي هيأت لهذا الدفع الديمقراطي الوليد وغذته. إن الآمال التي صعدت منذ سنوات قليلة، بسبب التقاء إرادة إصلاح خارجية مع ارتفاع مطالب فئات حية من المثقفين والطبقة الوسطى العربية، قد انهارت اليوم، بعد أن أدى إخفاق السياسات الأمريكية المغامرة في العراق، وانهيار محادثات السلام العربية الاسرائيلية، وتخبط السياسات الغربية عموما تجاه مشاكل الشرق الأوسط وفيه، إلى تصاعد الإرهاب وتزايد مخاطر انتشار الفوضى وتعميم الخراب. وهو ما دفع إلى تراجع الكتلة الغربية عن وعودها التي أطلقتها، بعد الحادي عشر من ايلول، في إصلاح الأوضاع العربية. وحصل كما لو أن النظم العربية التي لم تهضم، لحظة واحدة، ضغوط الكتلة الغربية عليها في سبيل إجراء إصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية، لا تتماشى تماما مع مصالحها واحتكارها الكامل للسلطة والثروة، قد انتقمت لنفسها، واستعادت أو هي في طريقها لأن تستعيد، في نظر الغرب والمنظومة الدولية، جزءا كبيرا من شرعيتها التي كان انتشار الارهاب الدولي انطلاقا من حدودها، والفساد المريع الذي تميز به سلوكها، قد قضى تماما على صدقيتها، وتركها عارية أمام الانتقادات الدولية والمحلية. ليس من الممكن اليوم الحديث عن تعزيز الديمقراطية، كحركة او كنظم محتملة التطبيق في البلدان العربية، في مستقبل منظور، كما لو أن شيئا لم يحصل، ومن دون النظر إلى الانتكاسة التي تعرضت لها آمال الديمقراطية العربية، ومراجعة سياسات الدول الغربية الكبرى، وتراجعها عن مطالبها الاصلاحية، ومعها سياسات الحركات الديمقراطية العربية الوليدة أيضا، التي تتعرض من جديد إلى ظروف قاسية تشمل المنع والملاحقة والحد من الحريات وتقييدها وإرهاب ناشطي حقوق الانسان والمنظمات المدنية عموما. ولا يشكل التأمل في هذه الانتكاسة والكشف عن أسبابها الطريق الاجباري لوقف التدهور الحاصل في الموقف فحسب، ولكنه يشكل أكثر من ذلك شرط تجنب إنكسارات ونكسات أخرى، ومنطلقا لا غنى عنه لإنقاذ مشروع الديمقراطية نفسه والعمل على إعادة بنائه على أسس تساعد على تقدمه وتحقيق أهدافه في المدى المنظور.فالمراجعة المطلوبة لتجربة السنوات القليلة الماضية مهمة من زاويتين، زاوية فهم سلوك النظم الاتوقراطية القائمة فيها ونجاحها في مقاومة الضغوطات الخارجية والداخلية وتجنب الاصلاح والانفتاح. وزاوية إخفاق التكتل الغربي، ومن ورائه المنظومة الدولية التي دعمته في مشاريعه، في إحداث أي حركة تغيير ذات وزن أو مغزى في اتجاه تعزيز فرص تقدم خطى الديمقراطية المنشودة. 

1- إخفاق مبادرة الاصلاح والديمقراطية وأسبابهلا يرجع إجهاض موجة الديمقراطية الجديدة التي ارتفعت في السنوات القليلة الماضية في العالم العربي إلى عامل واحد فحسب ولكن إلى عوامل متعددة: عالمية ترتبط بطبيعة السياق الدولي العام وأثره على المنطقة. وإقليمية تتعلق بالمناخ السائد في الشرق الأوسط نفسه وبأوضاعه الجيوسياسية. وبعوامل وطنية داخلية تتعلق بعلاقة المجتمع المدني بالدولة ومكانة هذه الدولة، والسلطة المركزية بشكل عام، وموقعها في التنظيم المجتمعي القائم، ومعادلات القوة وتوزيع السلطة داخل المجتمعات.فالواقع أن التدويل العميق للمنطقة، وحالة النزاع والحرب المزمنة فيها، وتسلط أجهزة الأمن كممثلة للسلطة السياسية عليها، كل ذلك يشكل أوجها لمنظومة سيطرة واحد، هي المنظومة التي أقيمت في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تزال تحكمه وتتحكم بعلاقاته الدولية وتوازناته الإقليمية وأنماط حكمه المحلية وهياكل مؤسساته وسلطاته في الوقت نفسه، وذلك بالرغم من كل ما تعرضت له المنطقة من هزات ومقاومات. وهي في نظري منظومة متكاملة ومتضامنة ومتساندة، تتداخل مستوياتها الدولية والإقليمية والوطنية، وتتفاعل بقوة، وترتبط نجاعة وسائلها على المستوى الدولي بنجاعة وسائلها على المستوى السياسي الداخلي، كما ترتبط هذه وتلك بمناخ الحرب المزمنة، واستمرار الاحباطات القومية عند جميع الدول والشعوب. وليس من الممكن التفكير بأي تغيير جدي في أي مستوى من مستويات عمل هذه المنظومة الثلاثية الأبعاد من دون أن يلحقه تغيير مواز في  المستويات الأخرى. مما يعني أن أي تغيير سياسي في اتجاه دمقرطة النظم القائمة يحمل مخاطر فعلية لنظام الوصاية والسيطرة الخارجية الذي فرض على المنطقة بسبب وجود رهانات ذات أبعاد دولية فيها، سواء ما تعلق منها بتركز احتياطي كبير من الطاقة النفطية التي يحتاج إليها العالم الصناعي، أو بسبب ارتباط مصيرها أو ربطه بمصير إسرائيل وتوطينها وضمان أمنها، أو بسبب ما تمثله من عقدة مواصلات استراتيجية دولية. وبالمثل، يشكل أي تغيير  في اتجاه بناء نظم ديمقراطية شعبية وتتمتع بقسط كبير من الشرعية تهديدا للتوازنات الاقليمية، وبالتالي لمصالح تلك القوى التي تكيفت مع الوضع القائم، ولا تزال تسعى إلى استثماره بكل ما تملك من قوة، وفي مقدمها إسرائيل التي تحاول، في إطار مشروع التوسع الإقليمي الذي تسعى إليه، هضم الأراضي العربية المحتلة وابتلاعها.  وكما عزز الارهاب، والحرب الدولية التي أطلقتها الولايات المتحدة ضده، من الضغوط الدولية على الشرق الأوسط، وزاد من أهميه ضبطه والسيطره على مقدراته في الاستراتيجية العالمية، عمل النزاع الإقليمي المستمر وإفشال مفاوضات السلام العربية الاسرائيلية على تفاقم العنف، ودفع النظم التسلطية السائدة إلى مزيد من التشدد والضغط على مجتمعاتها خوفا من أن تجد نفسها تحت ضغوط متقاطعة ومتعارضة معا، من الخارج والداخل. من هنا لا يزال هناك شعور قوي لدى جميع الأطراف المستفيدة من النظام القائم في الشرق الأوسط بأنه لا مصلحة واضحة لها في التغيير، حتى لو كانت مقتنعة بأن الاصلاح لم يعد يحتمل التأجيل. هذا ما يفسر تردد الدول الغربية في سحب دعمها عن الأنظمة التعسفية اللاقانونية، ثم تراجعها السريع بعد إعلانها في السنوات الأخيرة الماضية عزمها على الإصلاح. كما يفسر لماذا كان من غير الممكن بناء قوى داخلية قادرة على تحقيق التحولات الديمقراطية، ولا حتى على مواجهة الخراب المدني والسياسي الذي تحدثه النظم التسلطية، ويدفع إلى سيطرة العقلية الفردية الأنانية وتعميم الفساد. ولماذا لا يزال من غير الممكن الفصل بين غياب فرص التنمية السياسية الداخلية، أي داخل حدود البلدان، واستمرار الحروب والنزاعات القومية والوطنية المزمنة، والتي أخذت في الفترة الأخيرة تتحول بصورة واضحة إلى حروب دمار وانتقام، فاقدة هي نفسها أي أمل في تحقيق أي انتصار غير ما تكبده من خسائر وآلام للخصم. وهو ما يفسر أخيرا العلاقة الوثيقة التي تربط بين استمرار الحروب والنزاعات الإقليمية وتخليد نظم السيطرة الأمنية لأكثر من نصف قرن من جهة، وتغول القوى الكبرى على المنطقة ونزاعها المستمر فيما بينها على السيطرة السافرة عليها، بكل ما يستدعيه ذلك من تبرير الحروب والتدخلات العسكرية والسياسية الدائمة، وإضفاء الشرعية على سياسات الاحتواء والتلاعب والاستيعاب ضمن الاستراتجيات الدولية المتنافسة للقوى السياسية والأحزاب والنخب والطوائف والإتنيات المتنازعة في ما بينها أيضا، من جهة ثانية. وهو ما يجعل حياة مجتمعات الشرق الأوسط فوضى عارمة، ويفقدها كل أمل في الثبات والاستقرار والقيام على أسس ومباديء موضوعية وعقلانية وشرعية. فالتلاعب والغش والخداع والمراوغة هي مفردات السياسة المتبعة من قبل جميع الأطراف، الداخلية والخارجية، ولغتها المشتركة. لكن مشكلة الديمقراطية في الشرق الأوسط لا تنبع من تداخل هذه العوامل أو بالأحرى الأزمات الدولية والإقليمية والوطنية، مع تباين تأثيراتها وتحييد بعضها للآخر، فحسب، ولكن أكثر من ذلك من عدم قدرة أي طرف من الأطراف المعنية، الخارجية والإقليمية والداخلية، على حسم النزاعات القائمة لصالحه وفرض أجندته على المنطقة. وهكذا لم يتمكن أي طرف من الاطراف الدولية والإقليمية والوطنية المنخرطة في الصراعات متعددة المستويات أن ينجح في تحقيق الهدف الذي يسعى إليه في مواجهة الأطراف الأخرى وضد إرادتها. وهذا يصح على مسائل السياسة الدولية، كما يصح على مسائل النزاعات الإقليمية والصراعات السياسية الداخلية. ولا شك أن تدهور وضع المنطقة في النظام الدولي، ومناخ الحرب والعنف الذي يميز علاقات أطرافها الإقليمية، وحالة الضعف والتشتت التي وصلت إليها المجتمعات المدنية، كل هذه العوامل تقلل أكثر من احتمال أن ينجح أحد هذه الأطراف في أن يكون عاملا حاسما لوحده في أي تغيير منشود، دوليا كان أو إقليميا أو وطنيا. من هنا يبدو لي أن مصير الديمقراطية، مثله مثل مصير المسائل الأخرى العالقة، كالتسوية الشرق أوسطية وتحرر المنطقة ككل من ضغط النزاعات الدولية عليها، مرتبط  بحصول توافق بين العوامل الداخلية والخارجية، يعوض عن ضعف العوامل جميعا وعدم قدرتها، كل لوحده، على التحول إلى عوامل حاسمة.  وهو ما يرهن عليه فشل الضغوط الغربية التي مورست على النظم في السنوات الماضية في اتجاه فرض إصلاحات ديمقراطية، كما يبرهن عليه يوميا إخفاق قوى المجتمع المدني في فرض احترامها على النظام، بل انتزاع اعتراف السلطة والجمهور الواسع بوجودها وشرعيتها. فمن الصعب في الظروف الدولية والإقليمية السائدة أن تنجح هذه القوى في النمو بما فيه الكفاية حتى تشكل عامل ضغط فعال، وتجبر الأنظمة على تقديم تنازلات، وعلى الانفتاح على الطبقة الوسطى وقبولها شريكا في الحياة السياسية. وبغياب توافق واسع بين الأطراف الفاعلة الثلاثة : الدولية والإقليمية والمدنية، ليس هناك أي أمل في حصول تغيير ديمقراطي حقيقي إلا من خلال ثورة أهلية تقلب الوضع القائم وتقيم على أنقاضه وضعا جديدا. وهو ما لا يظهر بعد كاحتمال وارد الحدوث في الأفق القريب. لكن المهم أن نعرف أن غياب هذا التوافق بين الأجندات الدولية والإقليمية والوطنية كان السبب الرئيسي لإخفاق موجة الديمقراطية التي أطلقت الكثير من الآمال في مطلع هذه الألفية الثالثة. فهو الذي جعل جهود الأطراف المختلفة المعنية، إلى حد أو آخر، بتغيير الأوضاع الفاسدة التعسفية، تدخل في منافسات ضارة، وتحيد في النهاية بعضها البعض. وكما أن وحدة الشعارات لا تخفي حقيقة أن القوى الداعية إلى التغيير، في الداخل والخارج، لم تكن تعمل على موجة واحدة، ما حصل هناك أيضا أي إجماع أو تفاهم على أجندة واحدة أو منسجمة. فلم تتفق حتى دول التحالف الغربي على محتوى الاصلاحات الديمقراطية المطلوبة ومضمونها ووتيرة تحقيقها. وكان الخلاف واضحا بين الأمريكيين والأوروبيين حول تقدير ما ينبغي عمله وبناء اجندة عملية للاصلاحات المنشودة. وهو ما سمح للنظم التسلطية بالمناورة وكسب الوقت حتى تتغير الأوضاع الإقليمية وتتطور أزمة الاحتلال الأمريكي في العراق. وبالمثل، ولد إخفاق سياسات الدول الكبرى في حل النزاعات الإقليمية، ولو بصورة تدريجية وبطيئة، كما وعدت، وضعا سياسيا ونفسيا انفجاريا معاديا للخيار الديمقراطي، ودافعا إلى المقاومة ورد الفعل. وليس من المبالغة القول إن مشاريع الاصلاح الديمقراطي التي قاتلت من أجلها قوى عربية فتية ببسالة، ودفعت تضحيات كبيرة لتاكيد فكرتها، في وجه نظم أمنية قاسية، كانت ضحية السياسات الخرقاء التي اتبعت في السنوات الخمس الاخيرة، سواء اكان ذلك على مستوى العلاقات الدولية، مع توسيع دائرة الحرب على الارهاب، ومن ورائه على الاسلام والعروبة، أو على مستوى العلاقات الإقليمية، مع ترك الحكومات القومية الاسرائيلية المتطرفة تقضي على حلم الفلسطينيين، وتدمر شروط حياتهم، وتجعل من الاغتيال اليومي لقادتهم سياسة رسمية. والأمر نفسه ينطبق على دفع العراق نحو الحرب الأهلية، وإطلاق يد الجيش الاسرائيلي في لبنان للرد على عملية عكسرية محدودة أسفرت عن أسر جنديين إسرائيليين. ثم أخيرا، على مستوى كل بلد شرق أوسطي، مع تعاون الدول الصناعية مع نظم ضد نظم أخرى، واتباع سياسات انتقائية في تطبيق الاصلاحات وتقديمها. لقد قطعت هذه السياسات الطريق على أي تفاهم بين الأطراف، وجعلت من حروب التدمير الشامل، الخارجية والإقليمية والأهلية، في فلسطين والعراق ولبنان، البديل الوحيد للحلول السياسية المتفاوض عليها والتي تقدم مخرجا مقنعا إلى حد او آخر لجميع الأطراف. ما كان من الممكن في هذه الظروف الدولية والإقليمية المتوترة، والمشجعة على المواجهات والصدامات وحروب الحضارات، أن يكون لضغوط قوى المجتمع المدني في البلاد العربية أي نتائج تذكر. وأمكن للسلطات التي اعتادت خرق القانون احتواء هذه الضغوط وامتصاصها بسهولة، قبل أن ترتد إلى هذه القوى نفسها لتحاول تحطيمها وتفتيتها. وهكذا، بدل أن تساعد الضغوط الداخلية والخارجية على دفع النظم نحو الانفتاح، زادت من نزوعها إلى الانكماش على نفسها، وحرضتها على التنكيل بالقوى الديمقراطية ومحاولة تصفيتها. وها هي النظم تفسها تعود، كما كانت في السابق، إلى الاستخدام الموسع للعنف، والمراهنة على قوة القمع وتحويل اجهزة الامن الواسعة الانتشار إلى أداة وحيدة للحكم والتحكم بالقرار، في مواجهة مجتمعات مفككة ومذررة، مفتقرة للموارد الخاصة وللقيادات أيضا. ومع ذلك، لم يكن من الصعب تصور أجندة واحدة ومتفق عليها بين الأطراف لحلحلة أزمة الشرق الاوسط وإخراج شعوبه من محنتها. بل لقد ظهرت ملامح مثل هذه الأجندة بالفعل مع مؤتمر مدريد للسلام وبعده، وقامت على الجمع بين تفاهم دولي تمثله اللجنة الرباعية، وخطة لتهدئة الأوضاع الإقليمية وفتح باب التسوية السياسية، تمثلها خريطة الطريق التي تبنتها الرباعية والدول العربية، والتي تنص على خلق دولة فلسطينية إلى جانب الدولة الاسرائيلية القائمة في أفق 2005، وتعاون دولي مع القوى الداخلية، الرسمية والأهلية، للمساعدة على فتح النظم وتوسيع دائرة المشاركة السياسية. لكن الإدارة الأمريكية رمت بهذه الأجندة عرض الحائط، بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، وأحلت محلها أجندة خاصة بها لمواجهة متطلبات التغيير، وحسم النزاعات الدولية والإقليمية والداخلية الوطنية لصالحها وحدها، وبطريقتها الخاصة. ولم ينجم فشلها عن التردد في حل النزاعات والمشاكل العالقة، ولكنه نجم من أنها أرادت أن تحل مسألة الصراع الدولي على المنطقة، الذي يشكل عبئا لم يعد يحتمل عليها، ومهربا للنظم المختلفة من مواجهة الاستحقاقات الداخلية، بفرض سيطرتها المنفردة على المنطقة بأكملها، وإخراج اللاعبين الآخرين، بما فيهم أقرب حلفائها من الأورييين، من حلبة المنافسة، بدل العمل على بلورة إجماع دولي حول تحييد المنقطة عن النزاعات الدولية. وأنها أرادت أن تحل مشكلة النزاع الإقليمي المستمر، والذي يزداد شراسة وتعفنا وعنفا بسبب تفاقم الاحباط عند الجميع، عن طريق الزج بكل ثقلها مع حكومة اليمين القومي الاستعماري المتطرف في اسرائيل، ومحاباة القومية الاسرائيلية على حساب جميع القوميات الأخرى. وأرادت أن تحل مشكلة انفصال النخب الحاكمة، سياسيا بفضل دعم الغرب لها، واقتصاديا بسبب توفر العوائد النفطية والريعية الكثيرة، عن شعوبها وتجاهلها حقوقها وتغولها عليها، بالعمل على استتباع هذه النخب بشكل أكبر، وفرض نظام الإذعان عليها لتدخل في استراتيجيتها وتعمل بأمرها، بدل تطوير هامش مبادرة المجتمعات وتوفير وسائل حمايتها وتعزيز استقلالها تجاه النظم التسلطية المغلقة. لقد أرادت تحالفا أقوى مع الحاكمين لدفعهم نحو الديمقراطية، بدل تقليم أظافرهم وإجبارهم على احترام إلتزاماتهم، والتراجع عن سياساتهم التعسفية، كأي نظم سياسية تحكم باسم شعب وتمثل مصالحه الوطنية.هكذا ما كان لموجة الديمقراطية التي ارتفعت في المنطقة في السنوات الماضية أن تصل إلى غير طريق مسدود. مسدود على الصعيد العالمي، بعد أن فتتت السياسة الامريكية الاجماع الدولي الذي كان قائما من حولها، بما في ذلك داخل التحالف الغربي المتحكم بمصير المنطقة. ومسدود على المستوى الإقليمي بسبب انهيار آمال السلام بعد تجميد خارطة الطريق والعودة إلى الحل العسكري، وما يجره ذلك من إشعال نيران العنف وتفاقم مشاعر الاحباط والرغبة في الانتقام وتحقيق انتصارات وهمية، وتراجع التفكير العقلاني والانساني في الخروج من الأزمة الإقليمية. ومسدود على المستوى المحلي بسبب نجاح النظم القائمة، التي خرجت منتصرة من معركة الضغوط الأجنبية، وأكثر ثقة بنفسها، في تكوين نظم أمنية مستقلة كليا بمواردها المادية والسياسية عن الشعب، وقائمة في فلك خاص بها، وفي قلعة معزولة تماما عما حولها. وهي الاجهزة التي ساهمت الدول الكبرى، ومناخات الحروب الإقليمية المستمرة، منذ عقود، في تكوينها وتطويرها.2 – دروس التجربة الماضيةلست متأكدا أبدا من أن الديمقراطية، حتى في أشكالها الدنيا، أي التعددية البسيطة، مع توسيع قاعدة المشاركة السياسية قليلا لاستيعاب فئات من الطبقة الوسطى في النظم القائمة، ذات أولوية اليوم في أي أجندة دولية أو إقليمية أو محلية. ومع يقيني بأن من الصعب على قوى المجتمع المدني لوحدها حسم المعركة لصالح التحول نحو الديمقراطية والحد من تغول النظم التسلطية واللاقانونية، يظل من المفيد فهم دروس التجربة السابقة، لتوجيه خطى أولئك الذين لا يزالون مؤمنين، في داخل المنطقة وخارجها، بأن الديمقراطية لا تزال تشكل هدفا أخلاقيا في حد ذاتها  تستحق التعزيز، كما أن تحقيقها يشكل أحد المفاتيح الرئيسية أيضا لإخراج المنطقة من أزمتها التاريخية الطاحنة وبلورة التسويات والحلول السياسية الضرورية لإقامة شروط صالحة للحياة والعمل والانتاج والابداع الانساني في هذه المنطقة من العالم. وليس هناك في نظري ما يمنع من التفاؤل باحتمال العودة إلى مناخات نهاية التسعينات التي ولدت أملا كبيرا في تطور مبادرات تخرج الشرق الأوسط من محنته، ويكون لها تأثير كبير على تطوره الأمني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي أيضا.  ومما يشجع على هذا التفاؤل تفاقم المأزق الذي تتخبط فيه السياسات الأمريكية والاسرائيلية الشرق أوسطية التي حكمت موقف الغرب والعالم كله وحكومات المنطقة أيضا تجاه المشاكل المطروحة. فبقدر ما بينت تجربة السنوات الماضية بأن تجديد حياة النظم التعسفية والتسلطية لا ينفصل عن الاستراتيجيات الدولية السائدة ولا عن التوازنات الإقليمية القائمة، يتطلب تعزيز ا لديمقراطية، تغييرا مماثلا على هذه المستويات الثلاث. وهو ما يستدعي :- التوصل إلى تفاهم بين الأطراف المعنية حول أجندة تتجاوز مسألة الديمقراطية نفسها وتشمل في الوقت نفسه موضوعات تتعلق بالوضع الدولي والإقليمي والوطني معا. فليس من الممكن فصل مسألة الديمقراطية عن مسألة انتزاع المنطقة من الارتهان للنزاعات الدولية وضمان حد أدنى من الأمن والاستقلال لها وتقرير المصير لشعوبها. وليس من الممكن كذلك التفاهم حول أجندة ديمقراطية تقنع جميع الأطراف المعنية بالتعاون لتحقيقها من دون التوصل إلى تسويات سياسية للنزاعات والحروب الإقليمية العديدة العالقة، وفي مقدمها النزاع العربي الاسرائيلي، لكن ليس وحده. وليس من الممكن كذلك وضع هذه الأجندة الديمقراطية موضع التطبيق العملي من دون مرافقتها ببرنامج دعم شامل للمجتمع المدني، يتضمن دعم الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية الرائدة، ودعم المؤسسات والمنظمات الاجتماعية، ودعم الهيئات المدنية والسياسية العاملة على توفير الأطر القانونية والسياسية لتوسيع دائرة مشاركة الأفراد في الحياة العمومية. فالديمقراطية ليست في الشرق الأوسط، اجندة سياسية داخلية، ولكنها جزء من أجندة إقليمية ودولية معا، بقدر ما يمس تغيير العلاقة بين النظم التسلطية والشعوب مصالح إقليمية، ويؤثر أيضا على مصالح دولية استراتيجية. ولذلك قد يستدعي التفاهم على أجندة ديمقراطية في هذه البلدان تفاهما موازيا على أجندة تسوية إقليمية، وربما إعادة نظر في شروط السيطرة الغربية على المنطقة وأسلوب تعاملها مع شعوبها. هذه هي النتيجة الطبيعية لما يسم الوضع في الشرق الاوسط من تدويل فعلي، يجعل ان تغيرات السياسة الداخلية لا تؤثر فقط على مصالح القوى المحلية والداخلية فحسب، ولا تخضع لقواها الذاتية، ولكنها تؤثر على مصالح إقليمية ودولية كبيرة وتخضع لتأثيراتها أيضا.

-  وهذا يعني ضرورة وجود رؤية شاملة لقضايا المنطقة لا تجزئتها. لا يمكن فصل قضية دمقرطة الحياة السياسية في هذا البلد او ذاك في الشرق الأوسط عن بقية القضايا الأخرى الكبيرة التي تشغل الرأي العام بأكمله وأحيانا تشكل بؤر اهتمام أقوى وأشد فيه. والاعتقاد بأن الديمقراطية يمكن أن تكون دواءا يشفي من الإحباطات الوطنية والقومية، او تعويضا عنها، يقود لا محالة إلى تقويض أسسها بقدر ما يظهرها وكأنها وسيلة للالتفاف على الإرادة الشعبية بوسائل أخرى. الديمقراطية لا يمكن أن تكون تعويضا عن انتهاك السيادة الوطنية أو عن التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية. بالعكس، أظهرت تجربة السنوات القليلة الماضية أن انتهاك السيادة، الوطنية للبلدان العربية أو بعضها، واستمرار انتهاك الحقوق الفلسطينية يفرغ مشروع الديمقراطية من محتواه، ويفقده الصدقية ويسمح للقوى المعادية له بتعبئة الرأي العام ضده بوصفه خطة أو جزءا من خطة، أو غطاءا لخطة إستعمارية.

- رفض الديمقراطية الانتقائية أو تأكيد وحدة القضية الديمقراطية في المنطقة. لا يمكن فصل قضية الديمقراطية في أي بلد عن قضية الديمقراطية في أي بلد آخر في المنطقة أيضا. فإما ان تكون الديمقراطية هدفا مشتركا وواحدا تجاه دول المنطقة جميعا، بما فيها بالتاكيد إسرائيل، أو أنها ستتعرض إلى تشكيك بصدقيتها، وتظهر وكانها تكريس جديد لقاعدة الكيل بمكيالين، واستخدام الديمقراطية وسيلة للضغط على الدول، لا كمشروع وغاية في ذاتها. لا يمكن للديمقراطية أن تتقدم في البلدان العربية إذا كانت انتقائية، مطلوبة للعراق وليست مطلوبة لسورية، مطلوبة للبنان ومستبعدة من مصر أو تونس أو العربية السعودية. وهذا يعني إما أن تكون هناك خطة جدية لدمقرطة النظم السياسية في عموم المنطقة العربية أو أن الديمقراطية ستظل شعارا تستخدمه القوى الدولية في نزاعها على المصالح والنفوذ في الشرق الأوسط، مع ما يعنيه ذلك من نزع  الصدقية عن القضية الديمقراطية وتحويلها إلى أداة من أدوات الصراع القومي والوطني.- تغيير الرؤية الغربية السائدة منذ عقود في ما يتعلق بضمان الأمن والمصالح الاستراتيجية في الشرق الاوسط. لا يمكن في الشرق الأوسط التوفيق، كما حصل في بلدان أوروبة الشرقية، بين أجندة الديمقراطية وأجندة السيطرة الغربية. فالديمقراطية تهدد لا محالة بزوال سياسات التبعية والإلحاق بقدر ما تعيد السيادة والقرار للشعوب والرأي العام، بينما يحتاج استمرار السيطرة والاشراف على المصالح الاستراتيجية والحيوية الغربية والحفاظ عليها إلى تقييد هذه السيادة والاحتفاظ بها دائما تحت السيطرة بوسائل مختلفة، كان أبرزها حتى الآن تعزيز الوصاية السياسية للنخب الحاكمة عليها. وكما لم تشجع صيغة الديمقراطية المقيدة والفاقدة للسيادة الطبقات الوسطى على التحمس لمشاريع الاصلاح الغربية، لم تثر مشاريع الديمقراطية الوطنية التي تبنتها شرائح واسعة من الطبقة الوسطى والمثقفة العربية اهتمام الدول الغربية، ولا نالت ثقتها. وفي ما وراء الصراع بين مشاريع الدمقرطة والاستبداد، كان النزاع قويا أيضا بين مشاريع الهيمنة الغربية المقنعة بنموذج شكلي لديمقراطية مفروضة، ومشاريع الصراع لا نتزاع السيادة والحرية وحق المشاركة داخل البلدان العربية من قبل النخب والطبقات الوسطى والمثقفة. - احترام المعايير الدولية الواحدة في التعامل مع الشرق الأوسط وعدم إخضاعه لمعايير مزدوجة، وهو شرط كسب الثقة واستعادة الصدقية. لا ينسجم تحقيق الديمقراطية وتعزيزها مع سياسات الحرب والتهديد والمراوغة والاستفزاز والاقصاء.  فالطريقة التي واجهت بها الكتلة الغربية نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية بسبب فوز قائمة حماس قد قوض صدقية الدعوة الغربية للديمقراطية، وأظهر أن ما هو مقصود منها ليس تمكين الشعب من التعبير عن إرادته بحرية، وإنما ايصال القوى المؤيدة للغرب أو القادرة أكثر على الانسجام مع سياساته واستراتيجيته إلى السلطة، في البلاد العربية بدل القوى القائمة الفاشلة. وهذا يعني أن تعزيز الديمقراطية يحتاج إلى تبني أساليب ووسائل عمل ديمقراطية هي أيضا، وفي مقدمها الحوار والتفاهم والتواصل. وهو ما يستدعي مسبقا الاعتراف بالشعوب العربية كطرف أصيل، وبحقوقها الكاملة، وليس اعتبارها تابعا للنظم أو أدوات نفوذ أو صراع على النفوذ، حتى لو كان لا يزال لديها، بسبب ظروف الحكم والثقافة السائدين، استعدادات كبيرة للتبعية والالتحاق والاستزلام. والنتيجة لن يسطيع أي طرف أن يحقق أهدافه أو يضمن مصالحه بدون التفاهم عليها مع الأطراف الأخرى. كما أن أحدا لن يسطيع الوصول إلى حل لمشكلته بتجاهل مشاكل الأطراف الأخرى. فليس هناك في الشرق الأوسط مهرب اليوم من فتح مفاوضات جوهرية وشاملة تطرح جميع الملفات العالقة للبحث مرة واحدة وتضم جميع القوى المعنية، الدولية والإقليمية والوطنية، لمناقشة مستقبل الشرق الأوسط المهدد ومصيره. ومن دون ذلك لن تكون هناك إمكانية لا للحفاظ على المصالح الغربية الاستراتيجية والنفطية، ولا للسلام والاستقرار الاقليميين، ولا للديمقراطية والتنمية الانسانية، ولكن للفوضى الشاملة والخراب الذي سيقضي على مصالح الجميع.

من هنا أعتقد أن المطلوب اليوم، في إطار مواجهة شاملة لمشاكل المنطقة، مؤتمرا عالميا لمعالجة أزمة الشرق الأوسط في أبعادها المختلفة، بما فيها بعدها السياسي المتعلق بغياب الديمقراطية، الذي لا يمكن فصله عن هذه الأزمة،  تشارك فيه جميع القوى المعنية، العربية والدولية، الرسمية والمدنية، من حكومات ومنظمات المجتمع المدني والمجتمعات السياسية والمثقفين والخبراء. ومن الضروري تحول هذا المؤتمر إلى منتدى دائم يعقد دوريا تحت إشراف الأمم المتحدة لمواجهة مشاكل الأمن والسلام والتنمية الإقليمية.  ربما لن يستطيع مثل هذا المؤتمر ايجاد الحلول السريعة للمشاكل المطروحة، وليست هناك حلول جاهزة لهذه المشاكل. لكنه سيكون أفضل وسيلة لتغيير مناخ العلاقات الدولية والإقليمية المتعلقة بالمنطقة ولخلق جو من التواصل والحوار يعيد بناء بعض الثقة بين الأطراف، ويساهم في وضعهم جميعا أمام مسؤولياتهم، ودفع الرأي العام العالمي للضغط عليهم، في سبيل التوصل إلى تسويات تدعم سياسات السلام والأمن والديمقراطية والازدهار للجميع. فلا تنفع كثيرا في نظري وسائل الضغط والحصار، وأسوأ منها وسائل التدخل العسكري والسياسي. ولا توجد للأسف وسائل أخرى غير الرهان على تعبئة الرأي العام، المحلي والعالمي، وعلى ما يمكن أن ينتجه الحوار والنقاش والتفاوض من ثقة متبادلة بين الأطراف تدفع بهم إلى تقديم التنازلات الضرورية للوصول إلى التسويات المطلوبة للنزاعات الملتهبة والمزمنة التي لا تحول دون قيام حياة ديمقراطية سليمة في عموم المنطقة فحسب ولكنها تقوض أسس الحياة المدنية فيها.

في معنى المقاومة الوطنية الأربعاء, أكتوبر 25 2006 

قلت في مقال سابق أن الرأي العام العربي ممزق بين خيار إصلاح الدولة، بالرغم من كل ما يسمها من نقائص، وفي مقدمها ارتهانها للإرادة الخارجية، المافيوية والأجنبية، على أمل تحسين شروط عملها، وخيار المقاومة الذي يعكس انهيار الثقة بالدولة ويطمح إلى بناء سلطة أهلية، متحررة من الهيمنة الأجنبية، وقادرة على تلبية مطالب المجتمعات المتعلقة بالاستقلال الضامن للكرامة والهوية. وبينت في مقال آخر كيف أن سياسات السيطرة الخارجية قد قوضت مشروع الدولة ووضعته على طريق مسدود، كما يشير إلى ذلك تعثر خطط الاصلاح وموتها قبل أن ترى النور. وبالمثل كيف أن المقاومة التي نشأت في سياق الصراع ضد الدولة القاصرة، وعلى أنقاض الوطنيات التي نشأت بعد الاستقلال، قد ولدت بالضرورة في إطار مقاومات محمولة على العصبية، مما يحرمها من أي أمل في أن تقود إلى طريق آخر غير الصدامات المذهبية والطائفية والإتنية والدينية. فهي بالتعريف غير قادرة على إعادة بناء الوطنية السياسية التي تشكل روح الدولة القانونية، التي تساوي بين المواطنين وتجمع بينهم في إطار سياسي واحد يتجاوز الولاءات الجزئية العقائدية والإتنية

 

وكل يوم يمر يتأكد فيه بشكل أكبر الوصول إلى هذا الطريق المسدود الذي دخل فيه مشروع الدولة، وطريق الفوضى الذي يهدد بإدخالنا فيه مشروع المقاومات المذهبية. وما حصل في منتصف شهر اكتوبر 06 من استعراض ميليشيات القاعدة لقوتها في شوارع الرمادي العراقية يعكس تماما مستقبل المجتمعات الخاضعة لمقاومات لا يمنعها عداؤها الفعلي والقاسي للأجنبي من أن تسير في اتجاه بناء إمارات تحكمها ميليشيات خاصة، تلغي مشروع الدولة القانونية، وتقود حتما إلى تعميق الانقسامات والنزاعات الداخلية. تماما كما عكس انهيار حلم الدولة الفلسطينية الموعودة، وتفجر الصراع على السلطة الوطنية الوهمية بين القوى القومية والاسلامية في فلسطين، المازق الذي وصل إليه مشروع الدولة المرتهنة للاجنبي والمفرغة من الاستقلال والسيادة.

 

في هذه الحالة على ماذا يمكن للشعوب العربية أن تراهن للخروج من الوضع المتردي الذي تعيشه على جميع المستويات، وما هو البديل لسياسات إصلاح الدولة وتوسيع عمليات المقاومة؟

 

والجواب أنه لا يمكن الفصل بين الدولة والمقاومة أصلا . فالدولة الحديثة من حيث هي دولة المواطنين، والتجسيد لإرادتهم تفترض من داخلها مبدأ المقاومة، أي التصدي لكل محاولات مصادرة هذه الإرادة من قبل قوة داخلية أو خارجية، ولا تستقيم من دون ضمان حق المقاومة، بل الثورة، لتأكيد قيم الحرية والمواطنية والسيادة الشعبية ضد مغتصبيها. وبالمثل ليس لأي مقاومة قيمة وشرعية إذا لم تقد إلى بناء هذه الدولة القانونية المواطنية التي تضمن الحريات والحقوق المتساوية. والفرق بين التمرد والمقاومة يكمن بالضبط في أن التمرد هو سمة الحركات التي تقف ضد الدولة رفضا للقانون والشرعية، بينما تقوم المقاومة لتأكيد تطبيق القانون المصادر وشرعيته. فأي دولة من دون ضمان حق مقاومة الشعب مدانة بالتحول إلى مملكة خاصة، بل مزرعة للمسكين بها، وأي مقاومة لا تنطلق من مبدأ تحقيق الحرية والسيادة الشعبية والقانون تتحول إلى تمرد يعطل إمكانية نشوء دولة جديدة مؤسسة على مباديء العدل والشرعية بدل تقريب اجلها. وهذا الارتباط بين المقاومة التي تجسد المصدر الشعبي للسلطة، وتعبر عن إرادة المجتمع التي تكمن وراء الدولة، وتضمن السير السليم لمؤسساتها، والدولة التي تشكل التجسيد المؤسساتي لحكم الحرية والسيادة والقانون، هي أساس تنظيم الإرادة الشعبية على أسس قانونية وعقلانية سليمة.

 

ولم يحصل الانفصال والتعارض بين مشاريع الدولة ومشاريع المقاومة إلا بقدر ما حصل إفسادهما معا وأفراغهما من مضمونهما. فانحط معنى الدولة ليطابق واقعها الراهن المساوي لفكرة التسلط بالقوة على مقدرات شعب وموارده وتحويله إلى أداة لخدمة السلطة والممسكين بها، وانحط معنى المقاومة لتصبح قناعا لمشاريع حروب أهلية سافرة أو خفية. وهكذا خرجت الدولة عن إرادة المجتمع وعليه وتحولت المقاومة إلى ذريعة لتشريع الميليشيات الأهلية المناوئة لفكرة الدولة والسلطة المركزية. هذا يعني أنه لا ينبغي لإخفاق شبه الدولة التي نشأت في بلداننا تحت الوصاية الاستعمارية المستمرة، ان تدفعنا إلى الكفر بمفهوم الدولة كإطار شرعي وعقلاني وحيد لتنظيم الحياة الاجتماعية أو جزء كبير منها. ولا ينبغي كذلك أن تدفعنا المقاومات المرتبطة بالانقسامات العصبوية، المذهبية والطائفية أن يسود في أفهامنا معنى المقاومة الوطنية والانسانية. فالمطلوب هو، بالعكس، استعادة مشروع الدولة وانتزاعه من حجر استراتيجيات السيطرة الدولية وتأهيله، وإصلاح المقاومة الأهلية التي لا سيادة لدولة ولا لحرية لأفرادها من دونها. وهو ما يتطلب العمل على إعادة الانسجام بينهما، بوصفهما مبدأين ناظمين للحياة السياسية في عصرنا: مبدأ السيادة (للدولة) والحرية (للمجتمع). فبالحرية نضمن عدم استلاب الدولة للقوى الخارجية، محلية او اجنبية، وبالسيادة نقي المقاومة من التحول إلى تمرد وخروج على القانون والشرعية. أي نؤكد تحرير الدولة من ارتهانها لغير الإرادة الاجتماعية، وتحرير المجتمع من الارتهان لإرادة قوى معادية للدولة، ومانعة من إعادة بنائها كدولة مواطنيها، بصرف النظر عن إنتماءاتهم وأصولهم الإتنية.

 

لا ينشأ هذا الانسجام بين المبدأين من تلقاء نفسه، ولكنه يحتاج إلى البناء. ويستدعي البناء العمل الواعي والدؤوب ضد الانحرافين القائمين معا: على صعيد بنية الدولة وبنية المقاومة. وبقدر ما يعكس هذان الانحرافان تحلل العقد الوطني، يستدعي تصويب عمل الدولة والمقاومة انبعاثا أو بعثا فكريا وسياسيا لفكرة الوطنية الجامعة. وكما أن قصر الوطنية العربية في المرحلة القومية السابقة على مواجهة السيطرة الغربية وتاكيد الذات ضد الآخر كان هو السبب الرئيسي في موتها، بعد ان قادها إلى سراديب التسلطية المظلمة، تشكل إعادة إحياء قيم المواطنية، والدفاع عن الحريات الفردية، وحق المقاومة الاجتماعية لسلطات الفساد والنهب والتسلط السائدة، أي لتمرد النخب الحاكمة على الشرعية والقانون، الشرط الرئيسي لولادة وطنية عربية جديدة وانبعاثها. وهي شرط إعادة بناء الدولة كدولة سيدة وفي الوقت نفسه دولة مواطنيها ومبرر وجودها.

 

وبقدر ما يتقدم هذا النشاط النقدي، الأخلاقي والفكري والسياسي، الذي يتصدى لتحقيق مهامه مثقفون وناشطون مدنيون وسياسيون من كل الاتجاهات، تتطور بإزائه حركة مقاومة وطنية تجمع بين مهام التصدي للاستبداد، وما يمثله من اغتصاب الدولة ومصادرة الإرادة العامة، وتغليب الولاءات الخاصة على الخضوع الطوعي الجامع للقانون من جهة، ومهام التصدي للهيمنة الأجنبية التي تمنع الدولة من الانصياع لإرادة مجتمعها ومواطنيها من جهة ثانية. في هذه الحالة لن تكون المقاومة لا نقيضا للدولة وسيطرة حكم القانون، ولا وسيلة للتغطية على الحرب الأهلية واغتصاب الإرادة العامة، ولكن عملية إعادة بناء أخلاقية وقانونية وسياسية للحقيقة الوطنية، على مستوى المجتمع المدني ومستوى الدولة معا. وتتطابق مع عملية تأهيل الدولة لجعلها دولة الجماعة، وتأهيل الجماعة لجعلها جماعة سياسية مدنية متجاوزة للانقسامات العصبوية. وفي هذه الحالة سيحل محل التعارض المصطنع بين الدولة كرمز للسيادة، والمقاومة كرمز لتأكيد الهوية الاجتماعية والشعبية، وحدة عميقة بين الدولة كقاعدة للحياة القانونية والمؤسسية التي تضمن حقوق الأفراد وحرياتهم وتطمئنهم عليها، والمقاومة التي تشكل روح الوطنية السارية في الدولة والجاهزة في كل مرة تتعرض فيها للتهديد، من الداخل والخارج، إلى الانطلاق لتثبيت مباديء السيادة والاستقلال تجاه العدوان الخارجي الواقع، وتثبيت حقوق الأفراد وحرياتهم تجاه العدوان الداخلي الناجم عن جنوح بعض جماعاتها إلى مصادرتها لجعل الدولة آلة في خدمة مصالحهم الخاصة وتلبية مطامعهم.

 

الدمج بين الدفاع عن الوطن ضد الضغوط الخارجية، والعمل على تحريره من شياطينه الاستبدادية والطائفية والمذهبية الداخلية، وتعميم رؤية ديمقراطية تؤكد على حقوق الأفراد وحرياتهم وعلى المساواة التامة في ما بينهم ينبغي أن يكون إذن جوهر برنامج المقاومة العربية المنشودة، بقدر ما يشكل هو نفسه أساس بناء الوطنية وتجاوز النزاعات والانقسامات العصبوية في أي مكان.

 

باختصار، ليس من الممكن بناء دولة من دون وطنية جامعة تقف وراءها وتكون حاملة لها ومحركة لمؤسساتها وآلتها. وأصل الوطنية اليوم ليس العرق ولا اللغة ولا الثقافة ولا الإرادة المشتركة بقدر ما هو أجندة سياسية تاريخية. وعندما نقول أجندة فنحن نعني أن الأمة برنامج عمل وليست شيئا معطى، وراثة عن الأجداد، أو إفرازا لحقائق ومباديء فكرية. إنها تنشأ وتنمو وتتطور وتنضج بقدر ما تتوفر للجماعة سياسات عملية تمكنها من حل التناقضات الخارجية، أي مسألة السيادة وتأمين هامش مبادرة وطنية مستقلة والتناقضات الداخلية، الأفقية والعمودية، التي تقسمها أو تباعد بين أطرافها وتمنع من تكوين إرادة عامة جامعة لا بد منها لتحويلها إلى ذات فاعلة. ولهذا لن يكون من الممكن إعادة بناء الوطنية العربية المزعزعة من دون النجاح في الوصول إلى أجندة وطنية عربية يتحد فيها ويترابط بطريقة ديناميكية هدف انتزاع القرار الوطني من الوصاية الخارجية من جهة، وإعادة استملاك الشعب للدولة القائمة وتأهيلها وأنسنتها من جهة ثانية.

 

فليس من الممكن بلورة أجندة وطنية عربية مع بقاء الدولة والدول رهينة الاستراتيجيات الأجنبية أو تحت رحمتها، أو في قبضة قوى محلية منفصلة عن المجتمع وخائفة منه. وليس من الممكن أيضا بلورة أجندة وطنية من دون إحياء الوطنية الجامعة التي دمرتها المقاومات العصبوية، وإعادة بنائها على أسس العدل والحرية والمساواة والتضامن بين أعضائها، وتربية الأفراد على الاعتراف والاحترام المتبادلين وروح التعاون والتضحية ونكران الذات، لصالح الهدف الجماعي الأسمى. فهذه الوطنية هي التي تضمن تحويل الدولة إلى دولة حقيقية، دولة مواطنيها، وتسمح لها بانتزاع هامش مبادرة فعلي في إطار العمل الإقليمي والدولي، تجاه الدول والقوى المهيمنة الأخرى. وفي مثل هذه الدولة لن يبقى هناك أي تعارض بين مهام بناء السلطة كسلطة سياسية وقانونية ديمقراطية، ومهام بناء السياسة الخارجية كسياسة تأكيد للاستقلال ومقاومة التدخلات الأجنبية والحفاظ على وحدة الإرادة الوطنية وتعزيزها. وعندئذ لن تنفصل السياسة عن العقيدة ولا الجماعة عن الدولة.

 

وبقدر ما ننجح في تحويل الدولة إلى دولتنا، أي موطن إجماعنا ومختصر إرادتنا كجماعة نستطيع أن نتجاوز نزاعاتنا وأن نوحد انفسنا، وأن نعيد في الوقت نفسه بناء علاقاتنا الدولية أيضا، على أسس مختلفة تضمن استقلالنا وسيادتنا. فليست المقاومة كما نريدها ونفهمها في حقيقة الأمر سوى النزوع إلى السيادة الجمعية التي تخونها الدولة، الوكالة الأجنبية أو المزرعة الشخصية والعائلية. وليست الدولة المرضعة، أو البقرة الحلوب للقابضين عليها، سوى التعبير المباشر عن انفصال الدولة عن مجتمعاتها وتحولها إلى أداة لإخضاع هذه المجتمعات ونزع السيادة والكرامة والفضيلة عنها. وإذا لم ننجح في إصلاح مفهوم المقاومة ومفهوم الدولة معا، من الممكن أن لا يكون ما قام به حزب الله سوى آخر صفعة أمكن للعرب توجيهها لاسرائيل الصاعدة والمتفوقة حتى زمن طويل.

 

ينجم عن ذلك أنه لا ينبغي علينا، مهما وصل وضع الدولة من امتهان لصالح القوى الخارجية، ولا أقصد بها الأجنبية فحسب، أن نتخلى عن نقد الدولة، بما يعنيه هذا النقد من تأكيد أولويتها وتبيان طرق إصلاحها ووسائله، أي ضرورة إنقاذ فكرتها من الضياع والفساد. فهذا ما يعزز مكانتها باعتبارها إطار التنظيم الوحيد الذي نصبو إليه، في مقابل مشاريع التنظيم الطائفي والإتني والمذهبي الذي يفتن قطاعات واسعة من الرأي العام العربي اليوم، بسبب انهيار الايمان بشبه الدولة القائمة وقرف الجمهور منها ومن وسائل عملها القمعية.

 

كما ينجم عنه ضرورة تجاوز مفهوم المقاومة الذي نشأ في سياق سقوط الدولة تحت السيطرة الخارجية وانفصالها عن المجتمع وفقدانها لحقيقتها الوطنية، والذي يحصر معنى المقاومة بالمهام الموجهة نحو إزالة الهيمنة الأجنبية، مبررا أي نوع من أنواع المقاومة، مهما كانت الأسس والمباديء التي يقوم عليها، طائفية أو مذهبية أو إتنية. والواقع أن إزالة الاستبداد الذي يشكل أساس التفاهم بين النخب المحلية المغتصبة للسلطة والهيمنة الأجنبية المستفيدة منها، ينبغي أن يكون الهدف الأول لأي مقاومة وطنية. والنجاح فيه هو شرط إنقاذ مشروع الدولة المهدد وشرط تحرير إرادة الشعوب وتنظيمها لتحقيق النجاح في مقاومة الهيمنة الخارجية. ولا ينبغي أن تخدعنا المظاهر والشعارات. فتركيز النظم الاستبدادية التي تجمعهما رسالة قتل الحرية وانتهاك حقوق شعوبها كما لا يفعل أي طرف أجنبي، على خطاب العداء للخارج والانتقام منه، لا يهدف سوى إلى حرف أنظار الرأي العام عن السيطرة الداخلية شبه الاستعمارية، والتغطية على الطابع الطائفي والعصبوي للنظم وحركات التمرد والانشقاق والتصدع المنتشرة اليوم في المجتمعات العربية. وهي لا تقصد من وراء ذلك سوى إلى قطع الطريق على بلورة أجندة وطنية لصالح تمرير أجندة السلطة التسلطية أو فرضها. فلا يمكن للنظام القائم على لجم الرأي العام وإخضاعه والسيطرة عليه بالقوة ومنعه من الحركة، أن يكون هو نفسه نظام المقاومة والصمود والعمل على استعادة حقوق الشعب في وجه الضغوط الخارجية. فليس هناك ما يدفع النخب التي تنتهك حقوق شعوبها وتتكل بهم وتحرمهم من حق المشاركة إلى التضحية من أجل تأكيد هذه الحقوق تجاه القوى الأجنبية. إن التركيز على العداء للأجنبي غالبا ما يهدف لدى مثل هذه الأنظمة إلى طمس حقيقة الحرب التي تشنها على مجتمعها. ولا يمكن لنظام لا يستمر إلا بتخليد الحرب الأهلية وتقسيم المجتمعات وتفتيتها وشل إرادتها أن يكون، مهما فعل، نظام مقاومة وطنية. وأفضل مثال لما تطمح إليه هذه الأنظمة وما يمكن أن تقود إليه معا هو النظام الليبي الذي انتهت به معاركه الطاحنة ضد السيطرة الأجنبية إلى التسليم الكلي لها بعد ضمان مصادقة الدول الاستعمارية على سيطرة الأخ القائد وعائلته على مقدرات البلاد التي يحكمها بالقوة والاحتيال.

 

إن رفض حصر معنى المقاومة في ممانعة الخطط الأجنبية أو التصدي لها لا يعني تجاهل هذه الخطط وغض النظر عنها، أو كما يفعل بعض اليائسين، التغطية عليها، أو النظر إليها باعتبارها ثانوية، ولكن بالعكس. إنه يعني أن معركة التحرر من الهيمنة الأجنبية تمر اليوم باقتلاع جذور التسلط الداخلي الذي يقدم الشعب مكتوف اليدين، ويحرمه من فرصة الدفاع عن نفسه وحقوقه. وأن تجاهل معركة الحرية لصالح مقاومة الهيمنة الخارجية أو فصلهما الواحدة عن الأخرى يجعل المقاومة تعمل لصالح النظم الاستبدادية التي هي الضمانة الحقيقية والوحيدة لنظم السيطرة الخارجية. من هنا ليست مقاومة وطنية تلك التي ترفض أن تضع التصدي للخطط الأجنبية في إطار مشروع أشمل يهدف إلى إعادة بناء الأوضاع السياسية والقانونية على أسس الحرية ويعمل على توحيد الشعب بجميع قطاعات رأيه العام ومكوناته الدينية والأقوامية والسياسية. وهو ما لا يمكن تحقيقه عن طريق فرض الرأي الواحد أو إلغاء الآخر أو العمل تحت شعارات مذهبية أو طائفية أو دينية. إن مقاومة وطنية بالفعل لا تقوم من دون عقيدة وطنية جامعة، سياسية، تتيح لأي فرد إمكانية الانتماء والانخراط فيها من دون تمييز، وتجعل من هذا الانتماء المفتوح على الجميع قاعدة لإعادة لحم الكسور المجتمعية. وإن مقاومة وطنية حقيقية لا تقوم من دون رؤية واضحة ومنطقية، مقبولة ومشروعة بالنسبة للقسم الأكبر من الرأي العام، لإعادة بناء علاقات السلطة ونظم الحكم والإدارة والتنظيمات الاجتماعية. باختصار، ليست وطنية تلك المقاومة التي ترفض اليوم برنامج الديمقراطية. ولا يمكن للمقاومات التي تستند على عصبيات طائفية أو مذهبية أو أقوامية أن تبني أسسا صالحة لإعادة توليد إرادة جامعة وإحياء الوطنية وبعثها، ولا لإعادة بناء الدولة وتعزيز فرص إقامة المؤسسات السياسية والقانونية التي يقبل الجميع الخضوع لها والعمل من ضمنها.

الشعوب العربية بين سندان الدولة ومطرقة المقاومة الأربعاء, أكتوبر 11 2006 

أجهضت السياسات الدولية المرتبطة بتحقيق متطلبات ضمان أمن إسرائيل وتوسعها على حساب جيرانها، والحصار المفروض على المشرق العربي بأكمله للتأمين على الطاقة النفطية الاستراتيجية التي تعتمد عليها القوى الصناعية، والاستبداد الطويل للنخب المحلية واستفرادها بشعوبها، مشاريع بناء الدولة في المشرق العربي  جميعا، وحول هذه الدولة إلى أداة تتحكم بها المصالح الخاصة وحاجات الاستراتيجيات الدولية. فلم يعد لها وظيفة أكبر من تحييد الشعوب وشل إرادتها الجمعية والفردية. وبدل أن يتقدم في اتجاه النضوح والاكتمال، تقهقر مشروع الدولة الحديثة إلى الوراء، وفي إثره ما تتضمنه الدولة من معاني السيادة الإقليمية، والقدرة على الانجاز، وتحمل المسؤولية تجاه الشعوب، والعمل على تأهيلها للمساهمة في الحياة الدولية وتحسين شروط وجودها وترقيتها سياسيا وأخلاقيا.

 بل ليس من المؤكد أن هناك فرصة في إقامة مثل هذه الدولة في بلادنا، في الأوضاع والشروط الجيوسياسية الاقليمية والعالمية الراهنة، التي تجعل من منطقتنا مسرح تنازع مستمر، ذي أبعاد إقليمية وعالمية معا، وموضع إملاءات خارجية لا تنتهي، وتحولها إلى بؤرة توترات وصراعات وحروب دامية لا حل منظورا لها. ولا يبدو لي أن هناك رغبة أيضا في قيامها، لا عند الدول الكبرى الوصية على المنظومة الدولية، وعلى المنطقة بشكل خاص، ولا حتى عند النخب الحاكمة المرتبطة بهذه الدول أو الساعية للاستقلال عنها.

وما نعرفه منها إلى الآن في البلاد العربية كان، وسيبقى لفترة طويلة، أشباه دول، لا تملك من السيادة ما يجعلها ملك مواطنيها، ولا من الشرعية والاستقرار ما يجعل منها إطارا لتوليد إرادة جماعية موحدة ومستقلة، ولا من الثقة بالنفس ما يؤهلها لتطوير شروط الحياة القانونية والسياسية والأخلاقية، فيحولها إلى دولة ديمقراطية، ولا من الموارد المعنوية والمادية ما يجعل منها أداة للارتقاء بمستوى حياة السكان عموما وتحقيق سعادتهم. فهي في الغالب مزرعة العاملين فيها وبقرتهم الحلوب.

فالدولة المجهضة سياسيا وأخلاقيا، أو المنقوصة والمختزلة إلى مظاهرها الأداتية، والتي تتحكم بها مصالح استراتيجية خارجية أو خاصة، هي بالتعريف ليست الدولة التي يقرر فيها مواطنوها مصيرهم ولكنها بالضرورة دولة أصحابها وأتباعهم. ولذلك وصل مشروع الدولة في المنقطة العربية إلى طريق مسدود. وهو مايفسر الوجهة التي تطورت إليها هذه المؤسسة الكبرى الجامعة والعلاقة التي تقيمها مع مجتمعاتها. كما يفسر عدم اكتراث الناس بها وتوجههم نحو مؤسسات أهلية كانت تعتبر لوقت قريب ثانوية وهامشية، لتامين مصالحهم وتحقيق ذواتهم وضمان شعورهم بآدميتهم. ولا تعبر شعارات المقاومة التي شهدنا اشتعالها كالنار في الهشيم بعد الحرب الاسرائيلية اللبنانية الأخيرة، إلا عن السخط العارم ضد هذه الدولة ورغبة الانتقام منها والاستعداد للخروج عليها. 

أصحاب شعار المقاومة على حق إذن عندما يقولون: إن المقاومة هي الأساس، وينبغي ان تكون لها الأولوية، لأنه لا دولة من دون سيادة، ولا سيادة مع استمرار السيطرة الأجنبية. لكن السؤال هو: هل هناك بالفعل اليوم مشروع مقاومة وطنية جامعة تحرك النخب والمجتمعات العربية، بل ثقافة مقاومة حقيقية، تتجاوز مفهوم الصدام مع القوى الأجنبية، وتنطوي على مشروع إعادة بناء العلاقات العربية، داخل المجتمعات وفيما بينها، على أسس جديدة تقطع مع نموذج الدولة الوطنية الرثة السابقة، وتقيم على أنقاضها مجتمعات موحدة ومتفاهمة قابلة للحياة والعمل والانتاج والابداع؟

بصرف النظر عما يبدو من مظاهر التماهي واسع الانتشار مع المقاومة والعداء للأجنبي، والغربي منه بشكل خاص، في البلاد العربية، لا أعتقد ان هناك مشروع مقاومة وطنية على مستوى العالم العربي، أو حتى المشرق العربي، أو أي دولة من دوله.  وما هو قائم من مقاومات يعبر عن تفاقم الانقسام الوطني والنزاعات المرتبطة به، ويعكس الميل المتزايد عند الجميع إلى الخروج على الدولة وإرادة تحطيمها، بوصفها رمزا دائما للإحباط والحرمان والقهر. فلا تنشأ مقاومة وطنية إلا عندما تكون حاملة، وهو ما ينبغي أن ينعكس في سلوكها وعقيدتها وبرنامجها معا، لمشروع بناء وطني يجمع الأطراف المتفرقة ويتيح لها فرص التفاهم والتآلف والعمل المشترك. وما يجعلها وطنية هو توجهها لبناء حياة وطنية سليمة، مرتبطة بغايات وقائمة على قواعد عمل وقيم ومعايير عامة تنطبق على الجميع بالتساوي وتحظى بحد كبير من الإجماع العام. ولم تكن ثورة الاستقلال جامعة ومؤسسة لوطن إلا بقدر ما كان تحرير البلاد من الوصاية الأجنبية جزءا من مشروع بناء دولة وطنية يتساوى الجميع فيها أمام القانون ويؤسسون على الحرية الوطنية المكتسبة حرياتهم الفردية وحقوقهم الانسانية. وهو ما ينطبق كذلك على الانتفاضات السياسية الوطنية ضد الاستبداد والفساد. ومن الصعب القول إن هناك ما يشبه هذا المشروع في ما هو قائم من مقاومات وتمردات في البلاد العربية اليوم. بل إن هذه المقاومات تعكس، في طبيعتها ووسائل عملها وانقسامها وانتشارها، غياب هذا المشروع الوطني الجمعي، وارتداد الجماعات المتميزة والمختلفة التي كانت  تشارك فيه على الدولة التي ترمز إليه، وسعيها إلى تأمين مصيرها الخاص بها على أنقاضها، سواء أكان ذلك من خلال السيطرة على مواقع ومصالح الجماعات الأخرى الشريك، أو بالانفصال عنها والارتباط بقوى خارجية، أو بالخروج الكامل من الساحة السياسية الداخلية من أجل لعمل في إطار جيوستراتيجي شامل والصدام المباشر، على الساحة العالمية، مع المنظومة الدولية باعتبارها مرتكز الدولة الناشزة وحاضنتها، وهو ما تمثله بعض الحركات المتطرفة الاسلاموية. وباستثناء فلسطين التي تحولت فيها حماس إلى امتداد بوسائل أخرى للحركة الوطنية الفلسطينية الساعية إلى التحرر من استعمار استيطاني بغيض، ليس في ما هو قائم بذرة أو جنين مشروع مقاومة وطنية، ولكن مشاريع مقاومة خصوصية تتغذى من بقايا المشروع الوطني وتعيش على حطامه.

 ففي معظم هذه الحالات، لا ينبع رفض الدولة والعمل على تحطيمها من وجود مفهوم واضح لنظام بديل لها، ولا يرتبط بوجود مكونات إعادة بناء الدولة نفسها على أسس مختلفة، تضمن تجديد فكرتها وإعادة تأهيلها، وتحويلها إلى إطار لبناء حياة أو علاقات جمعية أخلاقية قائمة على قاعدة القانون والمساواة بين الأفراد والمشاركة في المسؤولية عند الرأي العام. إنه يعبر عكس ذلك عن خيبة الجماعات المختلفة بالدولة ويأسها من قدرتها على تلبية مطالبها العينية الملموسة في المشاركة في السلطة، أو على تأمين شروط الحياة والخدمات الأساسية، والمادية منها بشكل خاص. فهي لا تزال تقوم على السلب ولا تملك بعد، لا في النظرية ولا في الممارسة ولا في الشروط التاريخية، فرصة تحولها إلى حركة ايجابية تنحو نحو التوحيد والتوليف والبناء والتأسيس الأخلاقي والقانوني. لذلك هي تتخذ في كل الحالات، حتى عندما تكون وطنية الأهداف، أشكالا خصوصية تتميز بها عن غريمتها الأخرى، مذهبية أو أقوامية أو طائفية، وتجعل من هذا التميز منبعا لتوليد عصبية جزئية تشكل قاعدة للتضامن والتفاهم والألفة التي تمكنها من توفير السلوكات والفعاليات الكفاحية، الخاصة بها وحدها، وعلى نطاقها المحدود. وليس هناك بعد أي عقيدة او ايديولوجية أو قيمة أو شعار أو رمزيات يمكن أن تجمع بين الأطراف المقاومة، أو تشكل قاسما مشتركا لها. فما يقرب الواحدة ينفر الاخرى، وما يشكل هدفا لبعضها يشكل مصدر قلق وثورة عند بعضها الآخر، حتى عندما تنتمي جميعها إلى الايديولوجية الاسلامية أو القومية نفسها. فهي أقرب بالفعل إلى الممانعة منها إلى المقاومة، بقدر ما تعني الممانعة رفض النظام القائم فحسب من دون وجود أي مشروع بديل لإحلاله محله.

لذلك، بصرف النظر عن المظاهر السطحية الخادعة ، تعكس المقاومات العربية المتعددة الوطنية وما يجسدها من اندلاع الصراعات الداخلية وتفجرها بين مكونات الجماعة، أكثر مما تعبر عن التفاهم وبالأحرى الاجماع الوطني ضد هيمنة خارجية. وهي لا ترى هذه الهيمنة بعين واحدة ولا من الزاوية نفسها. وحتى عندما تستهدفها، فذلك لما تمثله في ميزان القوى المحلية أو الإقليمية، وعلى قدر مشاركتها في تحديد التوازنات الداخلية، أو عندما تشكل عائقا أمام تحقيق المشاريع الخصوصية.  فما نعيشه بالعمق هو حرب أهلية، تقنعها وتكملها حروب خارجية. فالمقصود في النزاع هو دائما أطراف منافسة على السيطرة الداخلية سواء من أجل تحييدها أو إحراجها أو قطع الطريق عليها أو إخضاعها لأجندة خصوصية، في إطار أعادة اصطفاف القوى على أرضية النزاع على السلطة والموارد الوطنية. وكل الأطراف تسعى من خلال الممانعة وإعاقة مشاريع الغير إلى تحقيق مصالح جزئية خاصة بها.  ولا يغير من ذلك كون هذه الأهداف مشروعة أحيانا وإنسانية، كتعديل علاقات الهيمنة الأقوامية أو الطائفية. وهذا يفسر أن عداء بعض المقاومات لقوى أجنبية معينة لا يمنعها من تبرير تحالفاتها مع قوى أجنبية أخرى، أو التفاهم معها ضد الجماعات المحلية المنافسة لها. باختصار، تشكل هذه المقاومات، إلا في ما ندر، مظهرا من  تفكك الجماعة الوطنية وتبعثر أطرافها واهدافها، أكثر مما تشير إلى تمخض إرادة وطنية جديدة تعيد جمع العناصر والكسور المتفرقة، وتخلق قوة موحدة استثنائية تمكن من وضع حد للسيطرة وانتزاع هامش مبادرة أكبر تجاه القوى الدولية، وتؤسس للحقوق والحريات الأساسية داخل المجتمعات والدول العربية. ومن هنا نشهد بموازاتها تفاقم الانقسامات والنزاعات داخل المجتمعات أكثر من محاولات تجاوزها أو توليد شروط أفضل للعمل المشترك والتآلف والالتقاء الوطني.

وبالمثل، وفي السياق نفسه، وللأسباب ذاتها، لا أعتقد أن هناك اليوم نموا في ما نسميه ثقافة مقاومة وطنية، ولا تربة صالحة لانبثاق إرادة مواجهة جامعة وتاريخية، تقبل التضحية بالحاضر لصالح المستقبل، وتضع العمومي قبل الخصوصي في الرؤى والمواقف والمصالح والغايات معا، وتتحمل ما ينجم عن ذلك، في سبيل نبذ الوصاية الأجنبية وفرض الاستقلال الناجز وتحرير إرادة الشعوب العربية، ولا حتى في سبيل هدف أكثر وضوحا ومحدودية مثل تحرير الأراضي العربية المحتلة. وما هو قائم هنا وهناك من مقاومات أو شبه مقاومات يرتبط بوضعيات خصوصية جدا، ويعبر عن ردود أفعال مشتتة على اعتداءات مباشرة وهمجية مستمرة أكثر مما يعكس نمو إرادة جامعة للمواجهة، ورؤية واضحة ومتسقة لتغيير الأمر الواقع. إن ما هو جامع في البلاد العربية هو ثقافة الفساد والإفساد معا. وما نشهده من التأييد لردود الأفعال “المقاومة” هذه عند الرأي العام، بين فترة وأخرى، لا يمثل بأي حال ما تستدعيه المقاومة والوطنية معا، أي صعودا في موقع أخلاقيات التضحية والشهادة ونكران الذات عند الجماهير والمجتمعات العربية، بقدر ما يجسد نمو روح العصبية والخوف على الذات والقلق على المصائر الشخصية والفئوية. بل كثيرا ما يشير إلى نزعة الارضاء الذاتي التي تغطي على الاستقالة العملية وتبرر العطالة السياسية.

يدل على ذلك الاستسلام الشعبي الكامل تجاه شتى أنواع العدوان الداخلي، والاستسلام للأمر الواقع، وتحويل الاستسلام نفسه إلى منظومة فكرية وأخلاقية. وبالرغم من الانتشار الواسع النطاق للايديولوجية الدينية، والاسلامية منها بشكل خاص، لا تزال حركات المقاومة التي تسلتهم الفكر الديني أيضا، باستثناء فلسطين وشيعة لينان وربما العراق، تمثل نسبة محدودة جدا من جمهور المتدينين الواسع. فلا يمنع التدين من تمثل ثقافة الاستسلام وقيمها، أو ثقافة الهزيمة، كما سماها ياسين حاج صالح. فأمام الفساد والاستبداد والعدوان الخارجي لا يجد المتدين أمامه سوى طريقين: الثورة الشاملة على المجتمع الذي هو أصل الفساد والقهر ومثاله، وبالتالي الانخراط في السياسة التكفيرية التي تقود حتما إلى حمل السلاح ضد الطغاة وحماتهم الغربيين، وهو طريق القلة المتمردة، أو الانطواء على الحياة الخاصة على أمل إرضاء الله وكسب الآخرة ما دام من غير الممكن كسب الدنيا أو التأثير في شروط الحياة فيها، وهو طريق الأغلبية المنسحبة من اللعبة السياسية أي الوطنية. فبهذا الانسحاب يتبرأ هؤلاء من السلطة الاستبدادية المتوحشة، ومن المجتمع المدني المفعم بالفساد الحامل لها في الوقت نفسه.  ومما يعزز نزعة الانسحاب من الحياة العامة ويبررها عند الأغلبية المتدينة انحسار الدلالات الدينية عن الأمة نفسها، وتحولها إلى خليط من قطاعات الرأي المتباينة والمتنازعة التي تسيطر عليها المصالح الخاصة المباشرة والمادية ولا تنطوي على أي معان روحية.

 من الصعب في ظروف الفساد، وتأبيد الوصاية الروحية والاجتماعية والسياسية، وحكم الطغيان الذي يجعل من قتل المشاعر الانسانية وتفكيك عرى المجتمعات وتمزيقها وحرمانها من التواصل والتفاهم، شرط وجوده واستمراره، ولادة مقاومة، أو حتى ثقافة مقاومة وطنية، جوهرها التضحية والفداء ونكران الذات في خدمة الجماعة، وقاعدتها الوحدة العضوية والتضامن والاتحاد، أي كل ما هو أخلاقي ومثالي وبطولي معا. ما هو مسيطر على مناخ النخب الاجتماعية والرأي العام ومتاح اليوم، هو  بالأحرى الأنانية والنذالة، والاستسلام للغرائز، وشهوة مراكمة الثروات وشره الاستهلاك، أكثر من أي شيء آخر. ولذلك يغلب على نظمنا السياسية حكم القوة والانتقام بدل حكم السياسة والقانون، وعلى مقاوماتنا وممانعاتنا سمة المقاومات والممانعات الجزئية، الانتهازية او الظرفية والانتقائية.  وما أتاح استمرار حركات مقاومة مثل حزب الله وحركة حماس هو اندراجهما ضمن سياق مختلف عن سياق المجتمعات العربية الأخرى، المقسمة والمشتتة والمنهارة سياسيا ومعنويا، أعنى ارتباط الأول سياسيا واستراتيجيا بايران، وهي جمهورية فتية ذات استقلالية وإمكانيات كبيرة، وارتباط الثانية بالظروف الوطنية الخاصة بفلسطين التي أجهض فيها مشروع بناء دولة وطنية، حتى في حدودها الدنيا، وفي إطار التبعية الإقليمية والدولية. فالأول امتداد لحيوية القوة الايرانية، والثانية تعبير عن اليأس من الدولة والنظام الدولي في الوقت نفسه. وليس من المستغرب في هذه الحالة أن يشكل تحطيم مثالهما اليوم محور السياسات الإقليمية العربية والدولية الرامية إلى تخليد نظام السيطرة شبه الاستعمارية.

باختصار، بينما تقضي السيطرة الأجنبية على أي هامش استقلالية لا غنى عنه لبناء إرادة وطنية وسياسية محلية، أي دولة، يدمر الاستبداد الروح الأخلاقية التي لا غنى عنها لتوليد قيم التفاؤل والأمل والثقة والتضامن التي تشكل قاعدة أي مقاومة وطنية، وذلك بقدر ما يؤلف فرط العلاقات الاجتماعية وتدمير قيم التواصل والتفاعل والتكافل بين الأفراد أساس استمرار سلطة تعسفية، هي بالضرورة مطلقة، احتكارية، ولا إنسانية.

أهداف الحرب الاسرائيلية على لبنان الأحد, سبتمبر 10 2006 

تشكل الحرب التي خاضتها الحكومة الاسرائيلية، بالتفاهم مع الإدارة الأمريكية في لبنان، ولا تزال تخوض مثيلها منذ أشهر في فلسطين بتشجيع واضح من واشنطن، جزءا مما تسميه الإدارة الامريكية الحرب ضد الارهاب ومحور الشر الذي تضع فيه، في الوقت نفسه، حزب الله وحماس وايران وسورية. وليست هذه الحرب في الواقع إلا غطاءا لاستراتيجية السيطرة الأمريكية الكاملة على المنطقة العربية، واستخدامها هي نفسها كرافعة للسيطرة العالمية وللقيادة الدولية، التي تطمح واشنطن إلى تبوء مركزها، بصرف النظر عن إرادة الأطراف الأخرى ومن دون الحاجة إلى الأخذ بالتزامات جماعية وتحديد المسؤوليات والواجبات المرتبطة بأي قيادة سياسية أو استراتيجية.

ومن الواضح ان هدف هذه الحرب في فلسطين هو إسقاط حكومة حماس وفرض الأمر الواقع على الفلسطينيين، بقدر ما أصبحت حماس تجسد مبدأ الاستمرار في المقاومة ورفض الاستسلام والإذعان للخطط الاسرائيلية الأحادية الجانب، الرامية إلى تكريس الاحتلال وتوسيع حركة الاستيطان وتجنب العودة في وقت لاحق إلى طاولة المفاوضات للحسم في قضية اللتخلي عن الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 أما في لبنان فقد كان الهدف من الحرب الأخيرة (تموز آب 2006) بالدرجة الأولى القضاء على حزب الله الذي يشكل الذراع الضاربة للمحور السوري الايراني وحلقة أساسية في دائرة المقاومات العربية لسياسات السيطرة الأمريكية الاسرائيلية. فبكسرها هذه الذراع، كانت الإدارة الأمريكية تامل في زعزعة هذا التحالف وإجبار أطرافه المختلفة على التسليم بالأمر الواقع، أي التعاون مع الولايات المتحدة، والمجموعة الدولية التي تقف وراءها، من دون شروط ولا نقاش، وبالتالي إجبار ايران على القبول بالعرض الغربي المتعلق بوقف عملية تخصيب اليورانيوم، ودمشق على احترام الوضع الناشيء في لبنان بعد انسحاب الجيش السوري منه. وما كان لمثل هذا المشروع إلا أن يثلج صدر تل أبيب التي لم تكن تنتظر فرصة أفضل للتخلص من التهديد الدائم القابع على حدودها الشمالية من قبل حزب  الله وترسانته العسكرية والصاروخية بالدرجة الأولى. وعلى هذا الأساس تم التخطيط للحرب التي اندلعت في 12 آب أغسطس 06 بين العاصمتين، والتنسيق العسكري والدبلوماسي الفاضح بينهما، داخل مجلس الأمن وخارجه.

لكن الأهداف التي تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تحقيقها في الحرب على لبنان لم تقتصر على تحقيق مصالح اسرائيلية وأمريكية فحسب، وإنما كانت محل إجماع دولي تقريبا. فأوروبة، وفرنسا على رأسها، ليست أقل انشغالا بملف التخصيب النووي الايراني، ولا أقل اهتماما بتثبيت الوضع غير المستقر في لبنان. ولذلك فقد وقفت وراء أهداف الحرب، حتى لو أنها سعت إلى تمييز موقفها عن الموقف الأمريكي، من خلال التأكيد على ضرورة وقف إطلاق النار بأسرع وقت ممكن، في الوقت الذي كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان فيه إلى تأجيل تقديم قرار بوقف إطلاق النار إلى أقصى مدة ممكنة، أملا بتحقيق إنجازات على الأرض، تجعل تنفيذ القرار 1959 أمرا واقعا ومفروغا منه، قبل أن يكرسه قرار دولي رسمي. هذا ما يفسر البطء الشديد الذي وسم حركة الدبلوماسية الدولية في مجلس الأمن وخارجه، كما يفسر موقف الصمت والحياد الذي اتخذته الدبلوماسية العربية، التي لا يقل خوفها من امتلاك ايران السلاح النووي، ومن احتمال تفجر الوضع السياسي والعسكري في لبنان، عن خوف العواصم الأوروبية نفسها. وكان من الواضح أنها لن تتخذ موقف المناصر لحزب الله، أو المدافع عن وجوده العسكري، في الوقت الذي تطمح فيه إلى أن تزيد الدول الغربية من ضغوطها على ايران لحملها على وقف تخصيب اليورانيوم، كما تتخفظ بشكل واضح على سياسة دمشق المتحالفة مع ايران، وتكاد تعيش في حالة قطيعة تامة مع النظام البعثي الذي تنظر إليه، منذ اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري العام الماضي في بيروت، على أنه فقد سيطرته على نفسه، وأصبح مصدرا للمخاطر واشعال الحرائق في المنطقة، ولا تحلم، أقل من العواصم الغربية، في عزله وفرض الحظر السياسي عليه، على أمل احتوائه وتطويعه.  فبالكاد استطاعت هذه الحرب العربية الاسرائيلية الأمريكية الجديدة  أن تخفي الحرب العربية العربية التي تشكل أحد أبعادها الرئيسية، والتي زاد من تفجيرها تبلور المحور السوري الايراني اللبناني وتوقع حصوله على السلاح الحاسم وارتفاع قدرته وصدقيته الاستراتيجية الإقليمية والدولية.

وليس من المبالغة القول إنه لم يحصل توافق دولي ضمني منذ فترة طويلة حول أهداف حرب، بالرغم من المظاهر المخالفة الكاذبة،  كما حصل حول الحرب الاسرائيلية الأخيرة على لبنان. وهذا التوافق، هو الذي يفسر  استمرار الحرب والدمار المرافق لها لأربع أسابيع ونيف، من دون أي اعتراض قوي لأي دولة، قبل التوصل إلى قرار بوقف إطلاق النار توافق عليه الاطراف الدولية. كما يفسر الصيغة لأولى للقرار 1701 الذي طرح على مجلس الأمن قبل تدخل البعثة العربية التي حاولت أن تشتري تقاعسها الاول  بمبادرة دبلوماسية كان لها من دون شك آثارا ايجابية على الصيغة المعدلة للقرار. فقد كانت الصيغة الأولى تشكل استجابة كاملة لمطالب إسرائيل وحاجاتها، سواء في تساهله مع استمرار وجود القوات الاسرائيلية في الأراضي اللبنانية، بعد وقف العلميات “الهجومية”، بل مع استمرار العمليات العسكرية نفسها، كما ادعى ناطق باسم الحكومة الاسرائيلية، أملا باستكمال أهداف الحرب، أو بتأييده فكرة خلق منطقة عازلة في جنوب لبنان ووضع قوات دولية فيها حسب البند السابع، تكون مهمتها مساعدة الجيش اللبناني على نزع سلاح حزب الله، أو في جميع الحالات، تحييده وإزالة أي قدرة لديه على الضغط على إسرائيل، أو في الحديث غير الواضح عن ترسيم للحدود، يتجنب ذكر مزارع شبعا اللبنانية، أو في مطالبته بالافراج عن الجنديين الاسرائيليين الأسيرين وتجاهل الأسرى اللبنانيين.

وهذا يعني أن مجلس الأمن، والدبلوماسية الدولية، قد أقرا مشروعية تحقيق أهداف الحرب الاسرائيلية الأمريكية، بصرف النظر عن نتائج المواجهة العسكرية، في الوقت الذي كان جميع المراقبين يتوقعون، على أقل تقدير، أن يفتح توازن الردع النسبي، الذي أنجبه صمود المقاومة اللبنانية، الباب أمام تسوية سياسية شاملة للنزاع اللبناني الاسرائيلي، بكل ما يتضمنه من ملفات : احتلال الأرض والأسرى وضمان الأمن والاستقرار على الحدود. بل لقد كان الوضع الناشيء عن هذا الردع النسبي مناسبة مثالية لفرض حل دائم وشامل، يخرج لبنان من دائرة الصراع العربي الاسرائيلي، ويفرض في النهاية على حزب الله التخلي الطوعي عن سلاحه، والانضمام إلى بقية القوى اللبنانية لبناء لبنان الديمقراطي والسلمي معا. ولم يكن مثل هذا الحل في صالح لبنان فقط، ولكن في صالح إسرائيل أيضا، التي يهمها الفصل بينه وبين محيطه العربي والايراني. ورفض واشنطن وتل أبيب مثل هذه التسوية، بذريعة عدم القبول بمكافئة حزب الله أو إظهاره بمظهر المنتصر، يلقي ضوءا جديدا على أهداف هذه الحرب نفسها، ويؤكد أن منطق الصراع والسيطرة والاستفراد بالقرار الإقليمي لا يزال هو السائد في الطرف الآخر، وليس منطق التسوية، حتى في صورتها الفردية المضرة بمصالح العرب ككتلة متعاونة أو مؤهلة للتعاون في ما بينها في المستقبل. ولا يبدو لي أن الجلسة التي عقدها مجلس الأمن في 21 سبتمبر استجابة للمبادرة العربية بإطلاق عملية التسوية السياسية من جديد وتكليف مجلس الامن بأخذ المسؤولية فيها، سوف تعطي نتائج ملموسة أو تعكس إدراك الأطراف الدولية، بما فيها العربية، لضرورة أعطاء الأولوية من جديد لملف النزاع العربي الاسرائيلي لإخراج المنطقة من خطر الانزلاق نحو عنف أكبر. لقد كان نوعا من الترضية المعنوية للعرب ومساعدة حكوماتهم في التغطية على عجزها عن العمل والمبادرة في مواجهة استمرار سياسة السيطرة وفرض الأمر الواقع من قبل واشنطن وإسرائيل.

2

لكن، بصرف النظر عن الطريقة التي أنهيت بها، شكلت نتائج الحرب تحديا للعديد من الإطراف العربية والإقليمية والدولية، الرسمية والشعبية، لن يكون من الممكن تجنب مضاعفاتها الاستراتيجية والسياسية من دون ايجاد الردود الناجعة عليها. فقد واجهت إسرائيل في جنوب لبنان معادلة عسكرية صعبة عجزت عن التغلب عليها.  وهو ما يفسر الأزمة السياسية العميقة التي تفجرت في بلد اعتاد على الانتصارات السهلة والسريعة وعلى الخسائر المحدودة، إن لم تكن المعدومة. ولأول مرة واجه الرأي العام الإسرائيلي تحدي تحطيم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، ومن وراء ذلك انهيار نظرية الردع القائم على القدرة على القتال والانتصار في أي حرب محتملة يمكن للعرب أن يشنوها على إسرائيل، منفردين ومجتمعين معا. وستكون مهمة استعادة القيادة الإسرائيلية، السياسية والعسكرية، صدقيتها الردعية، شاقة جدا بعد انتهاء العمليات الحربية الراهنة.

وتواجه الإدارة الأمريكية التي اعتقدت أنها تستطيع إعادة السيطرة على مصائر البلاد العربية، والمشرق العربي بشكل خاص، بالقوة، التحدي نفسه أيضا. وهو تحد موجه بشكل خاص لإدارة المحافظين الجدد، أصحاب خطط التغيير والانقلاب، الذين دفعتهم غطرسة القوة إلى الاعتقاد بأنهم يستطيعون إعادة بناء الواقع كما يشاؤون، وحسب أفكارهم المريضة وأوهامهم، مهما كانت عواقب هذا البناء أو آثاره على مصالح الشعوب والمجتمعات ومصيرها.

وينطبق الأمر كذلك على العديد من النظم العربية التي اعتقدت أنها، باستقالتها أمام التوسع الإسرائيلي المدعوم من قبل واشنطن، تستطيع أن تنقذ رهانها، وتحتفظ بوجودها، في مرحلة عاصفة من الصراع على تحديد مستقبل المنطقة ومصائر شعوبها، فوجدت نفسها متجاوزة من قبل هذه الشعوب نفسها، ومحاصرة أكثر فأكثر بطوفان القوى الإسلامية وغير الإسلامية المناهضة لسياساتها، والمستعدة لمواجهة العدوان الإسرائيلي الدائم، من وراء ظهرها وضد إرادتها. فهي محصورة اليوم أكثر من أي فترة سابقة بين مطرقة التدخل الأجنبي، العسكري والسياسي، السافر الذي يقرر للمنطقة ويسعى إلى تحديد مصيرها لعقود طويلة قادمة، من وراء ظهرها، وسندان الحركات الشعبية، المسلحة والسلمية، التي تتهمها بالاستسلام والضلوع مع قوات الاحتلال والسيطرة الخارجية. هكذا، تبدو هذه الأنظمة اليوم معلقة في الفراغ، مفتقرة للحد الأدنى من الصدقية والشرعية السياسية.

وبالمثل، توجه نتائج هذه الحرب تحديا كبيرا للجيوش العربية النظامية التي قبلت الهزيمة أمام جيش إسرائيل، وانسحبت من المواجهة الوطنية للتفرغ للمواجهة الداخلية، فتحولت إلى أداة لضمان استقرار النخب الحاكمة وقاعدة لاستمرار النظم الديكتاتورية اللاشعبية. إن نجاح بضعة آلاف من مقاومي حزب الله في تعطيل آلة الحرب الإسرائيلية وصد تقدمها لأكثر من شهر، وتكبيد الجيش الإسرائيلي خسائر كبيرة بالأرواح لم يعهدها من قبل، وايصال الحرب، عبر الصواريخ الصغيرة، إلى قلب المدن الإسرائيلية، عرى القيادات العسكرية العربية، وألقى ظلال الشك على مهنيتها وكفاءتها، ومثل اتهاما لها في التزامها وإرادتها الوطنية. وهي مضطرة الآن إلى إعادة النظر في مذاهبها العسكرية وتأهيلها، والتفكير من جديد بدورها ومكانتها في الحياة الوطنية: هل تكون أداة بيد المصالح الضيقة واللاوطنية القائمة وشريكة معها، أم تكون أداة الدفاع عن المصالح الوطنية والعربية.

وهو يشكل بصورة أقوى تحديا كبيرا لؤلئك القادة الذين لم يكفوا خلال السنوات الماضية عن تسويق خطابات واستراتيجيات المقاومة والممانعة، لكن سرعان ما لاذوا بالصمت عندما أصبحت المعركة، التي نظروا لها طويلا، واقعا فعليا، وصار همهم الأول والأخير المساومة على استخدام نفوذهم داخل صفوف المقاومة للوصول إلى تسوية تضمن مصالحهم الخاصة، وتفك عزلتهم عن الدول الكبرى نفسها التي تقف وراء الحرب. لقد أظهروا بما لن يدع مجالا للشك أن المقاومة ليست شأنهم ولا مشروعهم، وإنما ورقة للمساومة من بين أوراق كثيرة أخرى، وأن دماء المقاومين اللبنانيين، لا تسمو على منطق التجارة المادية والسياسية والاستراتيجية.

لكن صمود مقاومي حزب الله وجه تحديات كبرى أيضا لجميع أولئك الذين حلموا، من مثقفين وساسة وهيئات مدنية واجتماعية، بأن يكون الخيار ا لديمقراطي هو الخيار الأول، مقابل خيار المقاومة، أي أن تعطى الأولوية في الجهد السياسي الشعبي إلى إصلاح الدولة والسياسة والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات، حتى يمكن إخراج البلاد من المطبات العديدة الواقعة فيها، وإنقاذها من فساد يكاد يقضي، إن لم يحصل بالفعل، على مباديء الحق والقانون والعدالة والمساواة فيها، أي على كل ما يجعل منها مجتمعات مدنية ومتمدنة، بالمعنى الأصيل للكلمة، ويجنبها السقوط في البربرية والعنف والمواجهات العمياء الذي يقدم عراق اليوم نموذجا حيا لانتشارها و توسعها عبر منازعات الطوائف والتشكيلات القبلية والدينية والمذهبية والاجتماعية معا. فكيف يمكن تحقيق الديمقراطية مع الاختطاف السافر للإرادة الشعبية، وتحويل الشعوب إلى رهائن في مساومات دولية لا تنتهي، وكيف يمكن الإصلاح مع استمرار الدمار، والتهديد المستمر بتعميمه؟ وكيف يمكن بناء الدولة في سياق سياسات عالمية تخضع لقانون البلطجة الدولية، وتحييد الهيئات الدولية القانونية كالأمم المتحدة، وتأمين الحماية للمعتدي ومكافأته على المجازر المتكررة التي ارتكبها بحق المدنيين وتدميره المنهجي واللئيم للبنية التحتية لمجتمع كامل؟ 

لقد أحرج صمود حزب الله الجميع. النظم العربية التي تخلت، بما فيها النظم  المتاجرة بالقومية، عن التفكير في أي رؤية إستراتيجية أو تخطيط لاسترجاع الأراضي المحتلة، أو تأكيد حقوق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، منذ انهيار محادثات جنيف عام 2000، وأصبحت تنتظر ابتلاع إسرائيل وتهويدها لما احتلته من الأرض العربية. وأحرج بالقدر نفسه المعارضات الديمقراطية التي اعتقدت أن تهافت النظم القائمة، وتغير موقف الدول الكبرى منها، قد جعل المراهنة على الإصلاح والديمقراطية حقيقة واقعة والبند الأول في أجندة الشعوب التاريخية. وأحرج المثقفين الذين اعتقدوا أن العلمانية هي الوريث الشرعي لانحسار القومية وتنامي ديناميكيات العولمة الثقافية والاقتصادية. فإذا بمصير المشرق العربي معلقا، أكثر من أي فترة سابقة، على مقاومة ميليشيا شعبية ومذهبية معا، تستمد قوتها الرئيسية، المعنوية والعسكرية، من ارتباطها الروحي والمادي ببؤرة الثورة/ الدولة الإسلامية الإيرانية، وتمفصلها عليها. وهي ثورة/دولة من خارج العالم العربي، وفي منظور الكثير من أبنائه، في تنافس معه.

كل هذا يطرح أسئلة كبيرة، أو يعيد طرح أسئلة مصيرية على الفكر والسياسة العربيين، سيكون من الصعب علينا التحرك مستقبلا في أي اتجاه قبل الإجابة عنها بصورة جدية وفعالة. ولا يشكل إجابة جدية وفعالة التغني بخطابات المقاومة الاسلامية وإظهار الولاء لها، ولا الاختباء وراء المهاترات الكلامية، ولا الشكوى من جديد إلى الأمم المتحدة، ولا النحيب على الدولة الوطنية المقوضة.

3

إذا كان من الصحيح أن الحرب الإسرائيلية على لبنان لم تكن رد فعل على استفزاز من قبل حزب الله، مهما كانت قوة هذا الاستفزاز، وإنما حلقة ضمن سلسة مواجهة مستمرة تهدف إلى حسم مسألة السيادة على المنطقة من الوجهة الإستراتيجية، فسيكون من السذاجة توقع أن تكون حلقة نهائية. وبعكس ما يقال كثيرا في الصحافة اليوم، لن يكون الدافع الرئيسي لشن حروب جديدة قادمة، دافعا نفسيا مرتبطا بضرورة استعادة الرأي العام الإسرائيلي ثقته بجيشه أو استعادة صدقية هذا الجيش، وإنما استكمال الحرب الكبيرة الدائرة منذ سنوات، في أكثر من موقع على خريطة المشرق العربي، في فلسطين والعراق ولبنان والجولان لإعادة بناء النظام الاستعماري المتهاوي في المنطقة وتثبيت النظم الفاسدة والاستبدادية وفرض الإذعان على الشعوب العربية.

أما في ما يتعلق بمستقبل هذه الحرب على المدى القصير والمتوسط، فبصرف النظر عن أناشيد الانتصار التي تلتها، وربما بسببها، لا تشجع الأوضاع العربية الراهنة كثيرا على التفاؤل. فبالرغم من أن القوى الاستعمارية الممثلة بالإدارة الأمريكية وإسرائيل قد تعرضت لنكسة حقيقية، في لبنان وفي العراق وفي مناطق أخرى، وسوف تتعرض بالتأكيد لنكسات كبيرة أخرى، إلا أنها لا تزال تملك وسائل قوية للتدخل والاستمرار في القتال. ولا أعتقد أن فرص نجاح المقاومة في المحصلة الأخيرة ستكون كبيرة إذا استمر الرهان فيها بشكل وحيد تقريبا على حزب الله، وهو اليوم القوة الوحيدة التي يعتد بها. فالمقاومة، بعكس ما يشاع ليست هما ايرانيا. والهم الايراني الحقيقي أو الرئيس هو تأكيد موقع طهران الاستراتيجي المتفوق في المنطقة، وهو ما يتطلب القبول بحوار دائم مع الدول الغربية المسيطرة على المنطقة، ولا يمكن أن يحصل ضدها وإنما باتفاق معها. ولن يكون الحوار الذي افتتح بخصوص مسألة تخصيب اليورانيوم، بما في ذلك التصلب الايراني في هذا الملف، سوى الطريق الذي لا بد من سلوكه للوصول إلى هذا الاتفاق الذي سيجعل من إيران شريكا استراتيجيا رئيسيا في إعادة تنظيم شؤون المنطقة في المستقبل وندا للأطراف الغربية الأخرى. ولا يمكن لإيران التضحية بهذا الهدف القومي الكبير لصالح أية أهداف أخرى. أما سورية فنظامها يعيش في أزمة مستعصية ومتشعبة، داخلية سببها فقدان تواصل النظام الأمني المعزول مع الشعب والاضطرار إلى تأبيد القهر السياسي الشامل والسوقي من أجل الحفاظ على البقاء، مما يعمل على تحييد قوى الشعب السوري في المواجهة الإستراتيجية الدائرة، ويمنعه من أي مشاركة فعلية فيها، غير المشاهدة والتصفيق، وخارجية سببها العزلة الخانقة التي وضع النظام نفسه فيها، والتي تدفع إلى جعل الدفاع عن  المواقع المكتسبة والمناورة للتمسك بها أجندة النظام الوحيدة. وبالرغم من مظاهر البهورة الشديدة الخارجية بالمقاومة والممانعة، فليس للنظام القائم اليوم، ولن يكون له في المستقبل، عدو فعلي آخر غير الشعب السوري. وتكاد جهود النظام العملية تقتصر على تكتيكات بهلوانية تهدف إلى تحييد إسرائيل واستعادة تعاطف القوى الغربية معه والعودة عن نبذها له، واعتماده من جديد قطبا في إعادة بناء النظام شبه الاستعماري المنهار. ومن بين هذه التكتيكات الأكثر استخداما من قبله، لتحقيق هذا الهدف، التلاعب بالقوى الإسلامية التي يسيطر عليها، أو تخضع له، لإظهار نفسه ضحية الإرهاب، وتأكيد استعداده للعمل وفق إستراتيجية الحرب ضد الإرهاب الدولي، إذا قبل الغرب إعادة اعتماده،  كما يكرر في تصريحاتهم جميع مسؤوليه. ولن ينظر إلى علاقته مع حزب الله ولا مع إيران إلا كوسيلة للضغط في سبيل إنجاح مسعاه الحقيقي الذي هو طمئنة إسرائيل واستعادة ثقة الغرب وتكليفه.
أما الحركات المسماة جهادية، التي تستخدم وسائل الإرهاب الدولي، والتي يراهن عليها بعض القوميين، وقسم لا بأس به من الرأي العام العربي والإسلامي، فمن الخطأ الرهان عليها. ولا أعني بها بالتأكيد حزب الله أو حماس أو أي حركة مقاومة وطنية، تعمل على الأرض، وفي مواجهة قوى أجنبية أو اجتماعية ظالمة، وإنما تلك التي لا تولي اهتماما للشعوب ولا لمصالحها ولا لأهدافها الملموسة القريبة، ولكنها تجعل من المقاومة قضية مجردة، تسعى إلى رفعة الاسلام أو العروبة، من دون الاهتمام بالمسلمين والعرب المكونين من لحم ودم، بحقوقهم وحرياتهم وشروط حياتهم ومصيرهم ومصير أبنائهم ومستقبلهم. بل إنها لا تتردد، في سعيها إلى الدفاع عن قضايا لا تنظر إليها إلا من خارج حياة الناس ومشاكلهم وآمالهم، في التضحية بهذه الحقوق والحيوات الفعلية في سبيل تحقيق مكسب سياسي أو إعلامي، في مواجهة القوى المناوئة لها، سواء أكانت استعمارية أم محلية.  فلا تملك هذه الحركات الحد الأدنى من الذخيرة أو الرؤية الإنسانية والسياسية والقانونية والإستراتيجية اللازمة لخوض معركة جوهرها إعادة بناء المجتمعات العربية والإسلامية على أسس مدنية سليمة، أي بالدرجة الأولى أخلاقية، تفترض بالتأكيد تحقيق هدفي السيادة والاستقلال لكن لا تقتصر عليهما. ولذلك فهي بدل أن تساهم في إرساء قواعد التنظيم المدني والقانوني العقلاني للمجتمعات، تعمل على تفجيرها من الداخل، وتشارك في تقويض الأسس التي تقوم عليها. ولا يغير من ذلك كونها تسدي ضربات مؤلمة للغرب أو تثير قلقه ومخاوفه.  بل إن ذلك لا يعمل إلا على زيادة عداء الغرب للعرب والمسلمين، ودفعه إلى وضع استثمارات معنوية ومادية وعسكرية اكبر في سبيل طحنهم واستعبادهم. فبعملياتها الجيمس بوندية التي تتفنن في عرضها على القنوات التلفزيونية، تحول المعركة التاريخية لتحرير الشعوب العربية والإسلامية من صراع على الأرض، وبين صفوف المجتمع وأطرافه أيضا، لتطوير قيم وبناء قوى وهيئات ومؤسسات تزيد من عائد جهد البشر وقدراتهم واختياراتهم الداخلية والخارجية، إلى كفاح أسطوري من أجل سيادة تتحول، أكثر فأكثر، إلى سراب يسعى وراءه مقاتلون منفصلون عن مجتمعاتهم، ويدورون في فلكهم الخاص، بل في مجرات أخرى بعيدا عنها.  وهي تصدر في استراتيجيتها هذه عن مشاعر غطرسة شخصية، لا تقل فراغا أخلاقيا ولا نزعة لا إنسانية عن الغطرسة واللا إنسانية التي تنم عنها السياسات الأمريكية الإسرائيلية إن لم تتجاوزهما.

من هنا، لا ينبغي للنصر الفريد الذي حققناه على أنفسنا، أي على انهزامنا النفسي وفقدان ثقتنا بذاتنا، عندما نجحنا في كسر هجوم إسرائيلي، أن يعمينا عن الشروط الكارثية التي تعيشها منطقتنا ومجتمعاتنا معا، والتي تتجاوز بكثير اليوم مشلكة إسرائيل، كما تفسر تفوقها وانتصارها التاريخي علينا. فالتحدي الذي يواجهنا نحن العرب والمسلمين جميعا اليوم، وسوف يظل يواجهنا لفترة طويلة قادمة، هو التالي: كيف ننظم مقاومة فعالة ضد الهيمنة الأجنبية والاحتلال والاستعمار، من دون التضحية بحقوق الناس وحرياتهم ومصالحهم وآمالهم ومستقبل أبنائهم، أي من دون تجاهل مشاكل المجتمعات الملموسة، أو تأجيل النظر فيها، أو اعتبارها أمرا ثانويا بالمقارنة مع الأهداف والقضايا الكبرى ؟ كيف يمكن الجمع الخلاق بين الديمقراطية، بما تعنيه من احترام حقوق الناس ومصالحهم وأرزاقهم والقبول بمشاركتهم في تقرير مصيرهم الجماعي، في مقابل فرض الوصاية الدينية أو السياسية أو الأخلاقية عليهم، وفي الوقت نفسه تعميق إرادة المقاومة الوطنية عندهم وقدرتهم على كسر السيطرة الأجنبية؟ بل إن احترام هذه الحقوق والمصالح هو ما يحول المقاومات الجزئية المذهبية والطائفية والأقوامية المنتشرة والمتنافسة اليوم إلى مقاومة وطنية موحدة وواحدة تسفر عن مشروع بناء مجتمعي جديد. هنا يكمن المخرج الحقيقي للأزمة التاريخية التي تعيشها مجتمعاتنا.

وما لم ننجح في ذلك سوف نبقى ضحية الحروب والنزاعات والفوضى التي يفرضها علينا الخارج النازع إلى السيطرة والاحتكار، سواء أكان إسرائيليا أمريكيا اليوم أو صينيا غدا، من جهة، وأصحاب الرؤوس الحامية في مجتمعاتنا، من الوصوليين أو اليائسين والقانطين الانتحاريين الذين لا يخفون استعدادهم للتضحية بمصالح شعوبهم لخدمة أغراضهم الخاصة ولا حتى بأنفسهم أحيانا لتحقيق أهداف فقدت علاقتها الملموسة بالواقع، ولم يعد من الممكن تحديدها أو قياس تقدم تحقيقها عقلانيا من جهة أخرى.  فأصل المأساة التي نعيشها منذ عقود، والتي تكمن في الجمع بين انعدام المقاومة الفعالة والمنتصرة وتحلل المجتمعات وتفككها الداخلي، هو هذا الفصل الذي أقمناه وقبلنا به بين مصالح المجتمعات وحقوقها وقضايا النضال الوطني واستراتيجياته. فلم ننجح في تنظيم مقاومة ناجعة تعتقنا من الوصاية الأجنبية، ولا في بناء مؤسسات تعزز نمو المجتمعات. وكانت النتيجة تتويج أكثر الفئات استعدادا للمتاجرة بالوطنية والتنكيل بالشعوب وسلبها حقوقها  على مقدرات مجتمعاتنا ودولنا. لقد فقدنا القدرة على مقاومة العدوان الخارجي بقدر ما حولنا داخل مجتمعاتنا نفسه إلى خارج مستباح. وخسرنا حقوقنا القومية بقدر ما قبلنا التضحية بنظام الحقوق والحريات، أي أيضا بنظام الواجبات والمسؤوليات، في داخل مجتمعاتنا نفسها.  فوطن لا يضمن حقوق أبنائه ولا يعترف بها يفقد حقوقه هو نفسه كوطن، أي شرعية وجوده كوطن مستقل وذي سيادة، ويتحول إلى جثة تنهش فيها الذئاب. ذلك أن الوطن لا قيمة له من دون حقوق وحريات وكرامات. ومن غيرها يكون دفاع قاطنيه عنه يساوي دفاع العبيد عن عبوديتهم وقيودهم. فكما أنه ليس لمقاومة وطنية مفصولة عن المجتمع وحقوق أبنائه ومصالحهم أمل في النجاح، بل في الوجود، كذلك ليس لمجتمع يتحلى بالحد الأدنى من الشرعية، ويملك شروط إنتاج الحق والقانون، أن يقوم مع الخضوع للسيطرة الأجنبية والتسليم بالوصاية الخارجية، استبدادية كانت أم استعمارية.  

The crisis of Lebanon and the Middle East الأثنين, أغسطس 28 2006 

World Security Network Foundation, New York, August 23, 2006

 

“We may say that many interests have gathered behind the war”

This newsletter addresses the following major topics:

  • US-Europe and Arab Interests Behind the War in Lebanon
  • Syria Living Without Perspective
  • No Progress For Democracy in War Environment
  • You Cannot Join the Democratic Club Without its Members’ Agreement
  • Democracy Is Not The Exception : Despotism Is
  • The Arab World Believes in the USA
  • The Arabs Cannot Build Democracy Without External Support

Abstract : We went to this interview with professor Burhan Ghalioun carrying two kinds of questions : the first was in direct connection with the ongoing war in Lebanon; and the second is more related to local issues, such as democracy and a diagnostic of the situation in Syria and otherArab States. M. Ghalioun is a French-Syrian professor of political sociology at the Sorbonne University (Paris III); he is also director of the Sorbonne’s CEAOC ( Center of Arab Studies and Contemporary Orient) and the CEMAOC ( Center of Arab World Studies and Contemporary Orient). He has published more than 30 books about the Arabs, the Muslims, and the struggles of the modern times. He is a recognized authority in this respect.This exclusive WSN interview was conducted by Hichem Karoui, WSN Editor France.The war in Lebanon

WSN - Let us start from this war on Lebanon. What if Israel were encouraged by the known fact that the Arab States are impotent and will not react?

B.Ghalioun : I think Israel did not accord any thought to the Arab States and much less to any of their reactions. The War project has been likely discussed between Washington and Tel Aviv; with the objective of carrying out the 1559 resolution, which provides for the dismantlement of Hizbullah and its disarmament. This is actually the very purpose the Israeli and European diplomacy were vainly trying to reach since two years with the Lebanese government. Israel has just taken the opportunity Hizbullah offered in capturing two Israeli soldiers, and it launched this project prepared since a long time. The importance of disarming Hizbullah is twofold as it means a lot to the Israeli and American interests. For the Americans, the dismantling of Hizbullah represents a big blow to the axis that has been acting since two years against their policy in the Middle East, with its two members: Syria and Iran. Disarming Hizbullah means breaking up the striking arm of this axis; and consequently subduing the Syrian regime while weakening the Iranian position as regards the unranium enrichment file, still open. It means also the stabilization of the Lebanese situation that has followed the March 14 uprising, in the wake of Rafik al Hariri’s assassination, leading to the expulsion of the Syrian forces from Lebanon. As for Israel, it is the golden opportunity to get rid of the eternal threat on its northern boundary , represented by Hizbullah which owns an arsenal of short-and-middle-range missiles and whose name has been linked to Tsahal’s biggest military defeat when it has been forced to withdraw from Southern Lebanon in 2000. This war on Lebanon is –in the same time- an American war and to some extent an Arab war, because when Syria and Iran signed the Strategic Defense Agreement last year, many Middle Eastern Arab States became scared by the Iranian expansion threat in the region, and the probability of the constitution of an alliance including Iraq which is ruled by a shiite-dominated government. These States have also some interests in weakening this axis on the one hand, and in reining in the Iranian ambitions as regards the possession of a nuclear technology. So, we may say that many interests have gathered behind this war, and Hizbullah was just the common target, which explains why the international diplomacy reaction was so slow , Europe and the Arab States included : Europe’s interests do not differ from the United States’ anyway though they have different approachs. As to the Arabs, several among them have condemned in the first days of the crisis Hizbullah’s adventure; and the the Foreign Ministers’ Council has been unable to hold a reunion before the 26th day of the war.

WSN – What about the hypothesis that Israel feels oppressed when it looks at itself being surrounded by States hostile to its very existence as well as to its project? In such a situation, Israel would just try to break up the siege in striking at its weakest ring. Wouldn’t it? B.Ghalioun : Israel may feel that it is besieged because of the hostility of the greatest number of the Arab States. But this feeling hides a fundamental inferiority complex and does not reveal the reality. The Israelis themselves say – and they are true – that they are able to crush all the arab armies gathered together. Thus, in fact, it is Israel that besieges the Arab countries, thanks to its unmatched military superiority and to the international unrelenting support that it is granted from the USA and Europe…Thanks also to the Arab situation breaking apart and to the collapsing of the Arab front. The fact that Israel goes along with its extremist policy, unyielding its regional, former wars’ won acquisitions, makes another evidence for the case. Israel is still continuing the expansion of territory settlement in Palestine, dodging any initiative possibly leading to a Palestinian independent State ; it is still occupying the Golan hill and subjugating it into its settlement policy, as it is still persisting in absorbing the Shabaa and Kafar Shuba territories. The party who is trying to keep for himself the regional acquisitions despite the continual offers for peace from the Arab world is actually the party who feels empowered enough to face his adversaries and subdue them. This is today’s de facto situation : Israel is the party forcing the Arab countries into respect, not the contrary. It is the party representing a menace to these countries, because of its crushing military superiority, not any other arab State. If despite all this, there is still a feeling of oppression inside Israel while it is actually the first striking force in the Middle East, then there is no other solution but the intervention the Great powers in order to ensure peace while granting Israel security and appeasing it. Yet, it is not advisable to carry on with the current situation, which means that Israel cannot be appeased and its security needs cannot be fulfilled without destroying its Arab neighbourhood in Lebanon and Palestine .

WSN – As it is known, war is the best expression of the political deadlock. Clausewitz would say that it is the continuation of politics through other means. In your opinion, who is responsible for the political impasse?

Hichem Karoui (left), Professor Burhan Ghalioun (right): “Interrupting the course of the reformist movement would push Syria towards anarchy and violence.”

B.Ghalioun : The responsibility of the political impasse in the Middle East – the unreachable political solution for the conflict – is in the first place the Israeli regional greed, and the great powers’ strategies – particularly the USA -, betting on the Israeli military superiority for imposing their hegemony on the region. This is implying that the peace and negotiated solutions’ failure are caused by the actual inexistence of a real will to peace and the Israeli tendency to maintaining the occupied territories in Palestine, and Golan and Lebanon, in its hold. The second responsibility lies in the western politics of hegemony applied to the Middle East, as they dicovered that the best way to cow the Arab States and force them into submission to the world domination agenda, is to rely on the Israeli military supremacy.

WSN – One of your ideas is that inside the triad compounded by Syria, Iran, and Hizbullah, the weakest party is Syria ; and for this reason it will be targeted by Israel, soon or late. I would like to make a rapprochement with what Daniel Byman was claiming in Foreign Affairs (November-December 2003). He said that the only option for Washington to tackle Hizbullah is indirect, as it consists in pressuring Syria and Iran for disarming their ally…Do you think now that this option has also failed?

B.Ghalioun : Several American analysts have recently called the US administration to open a dialogue with Syria at least for covering the Israeli army insufficiencies before Hizbullah’s resistance; which proves that Hizbullah is not the weakest party, but Syria. Yet, in this war, Syria did not play the solidarity card with Hizbullah, in spite of the antonymous discourses, neither did it activate the Mutual Defense Agreement that it had formerly signed with Lebanon. Instead, it played the neutrality part, suggesting through official declarations its readiness to contributing to the appeasement of the conflagration and to stopping Hizbullah strikes, if it was accorded some enticements. Shortly, Syria avoided the Israeli and American strikes because it put itself within the party offering some services for stopping the conflict, instead of being itself a party in the conflict. For example, M.Muhsin Bilal, the Syrian Minister of Information, declared in the middle of the war that Syria knows a lot about “al Qaeda” in Lebanon and it was ready to cooperate with the United States if the latter were willing. Syria, generally speaking, wants to profit from what is happening, but it does not want to bear its responsibility. Besides, the Israelis may believe that it is better to have a weak and meek regime in Damascus than to open the door to unknown adventures. Those who want Israel to bang Syria are the Americans, as it seems to me. I think that the Israeli war in Lebanon disappointed the USA on two points: 1) its inefficiency after a whole month of battles as to dismantling Hizbullah ; 2) its refraining from striking Syria in the same context.

WSN – If as you said, the Israeli policy is supported by the USA, then some Americans would wonder: why France has so insisted on interfering and thus complicating the issue a little more? And they would point to both Lebanese and Israelis – and even Palestinians and Syrians – rejecting the French proposals. For example, M.Emile Lahud – President of Lebanon – went to the extent of accusing France of colonial intentions. In an interview on al Jazeerah, he claimed that the real purpose behind the French proposal of sending multinational troops was actually to have a French foothold in Lebanon. However, some French observers said that Paris was trying a rapprochement with the Bush administration, over two issues : Hizbullah and Syria. What do you make of all that?

B.Ghalioun : On the one hand, M.Lahud’s position does not represent Lebanon ; it is the government of M.Fuad Seniora which is actually in charge of proclaiming the official position. And M.Seniora bets a lot on a French interfering assumedly able to draw the American position to the Lebanese side. Behind this attitude there are indeed the close relationship binding Lebanon to France, which makes the French feel a particular commitment towards Lebanon. On the other hand, I do not think that the French played into the American game in respect to this issue. Their purpose was to manage a rapprochement between the Israeli and the Lebanese positions , which is quite difficult to reach for the pro-Israeli US policy. Yet, the French position does not differ from the American and the European as to the implementation of 1559 resolution leading to disarming Hizbullah. That is the basis of the agreement. However, concerning Syria, there is a difference. For the Americans have important demands as regards what they call “terrorism support” in Iraq. The French have also some demands concerning Syria’s respect of the Lebanese sovereignty and non-intervention in this country, because they actually believe that Lebanon historically falls into the francophone area of influence. Because of all that, we may say that common US and French interests have met over pressuring Syria and isolating her, which makes the isolation possibility still more powerful. The same understanding contributed to weakening the Syrian overall position to a great extent, which is not actually the state of Lebanon whose government is rather credible to the French and widely supported by them.

Syria

WSN – Let us turn to look at Syria now. Are you able to go there any time you want?

B.Ghalioun : You can go to Syria anytime you want, but you cannot do in Syria whatever you want or get out as you want. It is no secret that the present authorities out there do not accord the least importance to the public freedoms or the Human Rights.

WSN – You are often presented as an opponent to the Baath regime in Damascus. How would you personally describe your relations with the regime and with the opposition?

B.Ghalioun : I know I am often presented as an opponent ; but the opponent in my eyes is he who is active in a political movement aiming Power. Considering this, I have no membership in any Syrian party ; yet I am a critical intellectual rejecting the present situation, and calling to a democratic change, and never hesitating to give my support to all the political movements aiming at that purpose. This said, I am not a politician but an intellectual with a clear political stance in respect to his fatherland, as it is the case in respect to other international issues. This is what I intend from being an opponent. Yet, this attitude allows me actually to have a margin of freedom as regards the regime as well as the political opposition at once. My purpose is not to reach power but to help the society in changing the situation and defeating despotism.

WSN – You have published more than 30 books about everything in connection with society and politics in the arab and Islamic world. You are often solicited for debates on arab TV like al Jazeerah and al Arabiyya. In this activity, Syria has taken an important part of your concerns. So, what is your diagnostic about the Syrian situation? How do you see the future?

B.Ghalioun : I was very concerned about Syria particularly in the last five years, because I believed like many Syrians that following the death of President Hafiz al Assad an opportunity for change came out. It was then necessary to strengthen the emerging democratic movement and to support it intellectually and politically. That was the reason why I undertook some initiatives inside Syria and outside it, concerning the empowerment and the extension of the opportunities of reform and democratic shift in this country. Included in this activity was my participation to the “Damascus Spring”, which the Syrian authorities have reduced to silence within just a few months after its blossoming in 2001. What Syria is currently experiencing is the result of killing that “spring”, which has never completed. I mean : going back to the politics of repression, giving a free hand to the security machine over society, locking up the reform perspectives, breaking up trust and confidence in the institutions, and freeing corruption as it never happened before. Interrupting the course of the reformist movement would push the country consequently and more extensively towards anarchy and violence, regardless of the fact that anarchy and violence are still the product of the security apparatus. Yet, nothing would prevent – in case the conditions of the economic, social, and political life continue to cave in – the transfer of the anarchy and violence “weapon” from the authorities to the citizens, and thereupon the beginning of a loosen situation which, regrettfully, distinguishes today some other countries in our region , such as Lebanon and Iraq. The Problem in today’s Syria is that the country is living without any perspective, or policy for the future, without any hope, besieged from the inside by the authorities and its numerous bodies, and from the outside by the international configuration that sees in this regime a source of threats and dangers, visible and invisible.

WSN – What represented really “Damascus Spring”?

B.Ghalioun : After the death of Hafiz al Assad, who represented a kind of rough and feared patriarchal power, great expectations invaded the middle class and the intelligentsia hoping for a change that would put an end to the one party regime much resembling to the communist countries. These expectations and hopes were being nourished by the discourse of the new president who was insisting on the necessity of change as a means for him to gain some legitimacy. Thus, since the first year appeared the phenomenon of intellectual forums and dialogue meetings , which got about and grew widespread in the Syrian cities and even in the villages. Throughout but a few months, Syria seemed transformed into a buzzing beehive, where the debates were going on day and night, about the future of the country and particularly about how to achieve a democratic shift allowing all the communities, all the individuals to speak up their minds and express themselves unconstrained, and thus to take part to the political life so far monopolised. While participating to many of these forums, I had a true feeling that if we were able to carry on that activity for just another couple of months, it would have become definitely impossible to any undemocratic regime to survive in the country. There was really a great popular movement working and calling for the democratic change, with braveness, courage , enthusiasm, intelligence, and rationality. However, what we were feeling was unfortunately being felt also by those people whose big mafia-like interests were bound up and allied to the security bodies. Those are the people who led since September 2001 a “coup” against the situation, closing down the forums, forbidding the political demonstrations, hunting down and prosecuting the intelligentsia, and condemning ten of the most important activists to rude and cruel prison sentences (between 5 and 10 years). To this day, one victim of this repression, professor Arif Dalila , the former Dean of the Economic Science University, is still undergoing his ten years long jail sentence. Those who have been released, after ending their term, have been subjected to permanent security tagging forcing them to keep muted. The chasing and prosecution of the members of civil associations and the intelligentsia is still the summary of the political life in this country. There is no talk in Syria but about the detainees, the released, then the detainees again and those chased by the State police, and so on…This is the very life of Syria and the end of Damascus Spring. The hope of democratic change has been smothered in the cradle.

WSN – The USA have been quite concerned by Syria since the middle of the XXth century, after World War II, when we find the CIA deeply involved into the series of coups that drove Syria from hand to hand, so to speak. How do you see the future of the relationship?

B.Ghalioun : I think the relationship with the USA will be difficult whatever the nature of the regime in Syria if Washington remains definitely siding with Israel and accepting its de facto expansion policy in the Syrian territory (the Golan, that is) and in Palestine. Usually, the public opinion in Syria is unable to understand that complete and permanent aligning onto the most extremist policies in Tel Aviv, while the Syrian people – like all the arab population of the Midlle East – was expecting a new American inititiative to end the Arab-Israeli conflict and to close the violence cycle. The point is President Bush himself has promised a Palestinian independent State for 2005, but nothing was done. Today, the Palestinian people is still living without any perspective than occupation. At the same time, Washington supports a destructive war in Lebanon without advancing any initiative to end the conflict and liberate the Middle East from the asphyxiating shadows of the past. Indeed, the Syrian people – like other Arab peoples – does not feel any hostility towards the USA. The point is that these peoples are actually betting on Washington to help them overcome their crises; yet they all resent deeply the US confined politics that disappointed them and made of Washington continual pledges some delusory frustrating promises.

WSN – How do you see the alternative in Syria?

B.Ghalioun : I do not see another choice but a democratic regime. In order to reach it, we have to work on a double parallel front: 1) a front of political action, whose task would be the activation of the living forces inside the society, their organisation, and their unification. In fact, in the last year the first Syrian coalition was born under the title of “Damascus Proclamation”, including an important number of political parties and democratic forces. 2) a cultural and intellectual front, because democracy will not progress in Syria without dismantling the patriarchal, bureaucratic, dictatorial, presently dominating culture. In return, it is necessary to develop a democratic culture concerned with the notions of individual freedom, right and justice, and the implementation of cooperation, solidarity, and confidence values among people that oppression and persecution have broken to the extent that they lost confidence in themselves and in their fellow-citizens. Thus if the fullfillment of the political tasks relies essentially upon the politicians, – and a great number of them is still unexperienced – , the achievement of the cultural tasks depends essentially on the thinkers, the writers, the artists, and the intellectuals, which requires from them a great ability to communicate with the society and even more to be creative and inventive. However, I do not think it is possible to progress with this project without the help of regional and international conditions. It is impossible to figure out a sensible progress of the democratic thought and movement in an environment dominated by permanent national or sectarian wars, as we see today in the Middle East. Nor it is possible to figure out an important progress of the democratic culture in this region if the international climate were dominated by moods of civilization and cultural wars and polarisation of cultures and mutual seclusions as we see nowadays. The climate of the former wars and that of the civilisation and cultural ones would inevitably lead to reclusiveness and fanaticism, as well as to primary solidarity instead of developing the values of subjectivity, freedom and law. Regrettably, the international environment , concerning the arabo-Islamic societies, is still hostile to developing a reliable democratic culture.

Democratisation

WSN – Since the publication of your “Manifest for Democracy” (in 1979), you are considered as one of the greatest advocates of democratic values in the Arab world. What do you think really of the democratisation program initiated by the Bush administration as a public diplomacy in the Middle East?

B.Ghalioun : Without doubting anybody’s intentions, I think that the democracy project proposed by the American administration was meant to win some legitimacy for an undertaking related to political and military domination in the region. I mean that the American promised democracy was not an end in itself, but a means to achieving an agendawhose content may be antidemocratic as it is concerned with the US supremacy in the region. For that reason, I would say that this connection between the American call for democracy in the Middle East and the project of virtually imperial domination concerned with the control of oil resources and the defense of the Israeli de facto expansion, is precisely what aborted the American hopes for getting their project more popular credibility and support. I think that the US led democratisation project – if ever it were really meant to be achieved and not just words in the air – is now almost in the past as there is no talk about it anymore. Not only this : The Americans may now believe that they were mistaken and in a hurry, and that it is in their interest therefore to reverse the tides and come back to the old policy of supporting dictatorial and patriarchal regimes, which was their policy for 60 years, as M.Bush once put it. The best indication of what is happening is when you see how all the hard pressures they have formerly put on some regimes like those of the Gulf ( especially Saudi Arabia, but also Egypt, Libya, etc,) have declined as the relationship with these countries was restored. However, the greatest blow to the US discourse about the democratisation of the Middle East, came undoubtedly from the catastroph caused by the politics of afflicting occupation in Iraq that have led to what some US officials are pointing to nowadays as the beginning of a civil war.

WSN – All the Arab “revolutionary” regimes have either collapsed or have been changed if they have not shifted their views and positions (with the exception however of the Syrian regime, still unchanged).The fact that they were also relying on the Soviet Union made of the latter’s downfall their own defeat :Yemen, Iraq, for example… Do you think that the meaning of this is the victory of realistic views over the ideological policies?

B.Ghalioun : I do not believe the point is about the difference between ideological regimes and pragmatic ones. I consider the Syrian regime as a matter of fact system in the first place ; with the ideology used only as a cover. Besides, I don’t think that those who advocate liberal and democratic regimes are less concerned with ideologic matters, since they also call for commitment to some values and principles. What has actually collapsed in my view is a type of politics and administration that proved to be definitely unproductive and corrupted in the former communist States as it was also the case in a number of Arab countries, because of what that type included as contradictions, bureaucracy, and stagnation , resisting to the necessities of active interaction with modern time’s economy, society and knowledge. Anyway, nothing grants either that the new liberal systems applied to some of these countries will succeed if there is a deficiency in reliable and inventive leadership. In many countries, the new liberal systems have been noticeably connected to the phenomenon of Economic and political mafia, which led to a deadlock. Latin America’s experience, which is going back nowadays to former leftist politics, confirms such an observation. In the Arab world – in Algeria, Egypt, Morocco, etc – there is a great disappointment as regards the so-called liberalism that was unable to stop the progress of poverty, and to face the challenge of the increasing unemployment, as it was unable to create a local dynamic of economic and social development.

WSN – Can you tell me why each time we talk about change forces in the Arab and Islamic world, we find ourselves facing the Islamists? Is that really the unique alternative?

B.Ghalioun : This is because the conditions of emergence of democratic forces are either limited or absent. The democratic forces cannot rise in an environment of permanent nationalist wars, as we see for example in three areas of occupation: in Palestine, and Lebanon and Syria. Nor the democratic forces can rise in an international environment that is contributing – to a great extent – to the marginalisation of the Middle East, implicitly blockading it as a source of terrorism. Democracy is a world scheme , and you cannot possibly join the democratic club without the agreement of its members (the Westerners, that is) or against their will. The point is that they have been – and still are – supporting some dictatorial regimes, on the belief that they are mose useful in keeping the interests safe. And as long as the democratic forces in the Arab world are still lacking the relevant regional surroundings and the efficient international support – such as what the East-European countries have formerly got – it is normal that the movements opposing corrupted regimes would take local shapes and use also local resources, like religion, zealotry, fanaticism, sectarianism and tribalism. As long as the fundamental modernity perspective is locked up for the Arab societies, the social conflict will use the language of the past and its refurbished instruments, while the struggle against tyranny will be strongly articulated around the fight against the foreign domination supporting it. As a result , you will have rebellious Islamist movements targetting at the same time the despotic regimes and what they call their “occidental masters”.

WSNThere was a clamor recently over a memo to M.Tony Blair, by Britain’s outgoing ambassador to Baghdad, who said that “ a de facto partition of Iraq is more likely than a transition to democracy”. Is that also your feeling?

B.Ghalioun : This declaration of an important official, whose country was since the outset involved in Iraq, is an acknowledgement of the failure of the US-British policy, wich as I have previously said linked two agendas together : hegemony in the Gulf region and discourse about democratic change. The result is, as it is clear, no democracy and not even anIraqi State, but chances open to all probabilities, included civil war and chaos.

WSN – Despite all this, do you think that the democratisation of the Arab States is still possible? And if it is, what are the conditions of its accomplishment?

B.Ghalioun : The democratisation of the Arab States is not an exceptional project but only the return to the normal course of the political life. It is inevitable to come back to the normal system which is the democratic, as it is also inevitable to dismantle despotism and its exceptional laws. For these are, by definition, exceptional regimes. Because of this, there is no relation between the failure of the expected US democratisation project, as long as it remains illusory, and the continual pushing inside the Arab societies for democratisation. Since now, we may say that what depicts the political life in these countries is the daily fight between individuals trying to make principles of law and right and political participation working on the one hand, and the regimes of exception and oppression, and violation of the popular will, on the other hand. There is no axis of struggle today in any Arab country whatever, but this one. So, there are indeed perspectives of democratic development, and these perspectives will increase with the decrease of the American democratisation illusion.

How to reach peace

 

“Many Middle Eastern Arab States become scared by the Iranian expansion threat in the region.”

WSN – You said recently that the missiles war confirmed that Israel could not overcome only with the military power, whatever the degree of technologic superiority it has reached. This is not enough to achieving peace and stabilization. The same remark is true also for the USA. So, tell us how to reach peace?

B.Ghalioun : I think that the current crisis is mostly the result of Israel’s refusal – with the US support – to have genuine negotiations with the Arabs, assuming necessarily the concession of the occupied Arab territories. The war in Lebanon confirmed that Israel would not be able to grant peace and stability while relying only on its military machine, because of the limits of this power. This is also the case for the US-British war in Iraq. The military supremacy whatever its extent cannot abolish the need for a political solution, and all our problems in the region find their source in this Israeli quibbling over a political solution in order to keep the lands. Peace means simply the acceptation of a political compromise ; hence, the end of the conflict and perhaps an historic reconciliation. This is not applicable only to the Arabs and Israelis, but to all the conflicts in the world. And Israel cannot be an exception as some extremists believe.

In short

WSN – America says that in God it trusts ; Europe says that it believes in the union ; Israel says that it is devoted to the “promised land” …In your opinion, in what believe the Arabs?

B.Ghalioun : The Arab world believes in the USA; it is also its problem, as it is considered as the unique source of all salvation.

WSNThe arabs may be in need for a miracle. But the miracles are engendered by faith. What if faith is just what the Arabs lack today?B.Ghalioun : The Arabs’ faith we have just mentioned does not engender miracles, -alas! – but only frustration.

WSNAll the Arabs’ relations with the West, since the XIX century to this day, are negative and lacking balance. Why did the Arabs fail where the Asians succeeded?

B.Ghalioun : Because the Asians believe in themselves and in their capacities.

WSN – The Western televisions have transformed the butcheries of the Middle East into a show ; and the Arabs went imitating the Westerners in these show technics, thus becoming negative watchers of their own slaughtering to an idiotic-masochistic extent. Is it possible that the Arab world lost its mind?

B.Ghalioun : What you said expresses in my eyes a dangerous development in the “victim culture”, because of the permanent impotency and the inability to build anything, additionally to the increase of foreign pressures and the feeling of being besieged and marginalised. The “victim syndrome” becomes thus the only escape from responsibilty.

WSN – No less than 8 Palestinian ministers and 28 members of the Parliament – included its president – have been arrested by Israel under the charge of membership in a terrorist organisation (Hamas). Even if they have been murdered instead of being arrested, the Arab world would not budge. All these persons represent actually the Palestinian authority, which is practically no longer existing. So, what is the purpose of adopting a policy that you cannot defend because your adversary is much stronger than you are so that he can crush you whenever he wants?

B.Ghalioun : I think that the “Hamas” leaders have been propelled to power by a number of people that has lost any hope in a near political solution with Israel, thus opting for death rather than an humiliating obedience. The choice of “Hamas” expressed the total despair not a productive and optimistic program of action. It is the feeling that nothing was left to them, not a single hope. And the reason behind that is the American-Israeli profound understanding over spoiling the Palestinians from any significative political achievement, which is conveyed by the arrest of the ministers and the members of parliament. WSNWhat is the difference between the Iraqi Baath regime and the Syrian Baath regime?

B.Ghalioun : The Iraqi Baath regime is victim of its own ideology, while the Syrian is victim of its pragmatism.

WSN – Do you think it is possible to reform Syria from inside, which means without changing the whole regime?

B.Ghalioun : To reform means to change the regime, because the regime means the rules of practising power. There is no way for implementing reforms on whatever level without previoulsy reforming the rules of practising and distributing power on institutions and social actors. The monopolization of power and its perpetuation in the hands of one consecrated elite is the source of all the problems. It is not possible either to rely on the same elites that produced and made a living of debasement and corruption, as a basis for a regime that would be founded on the principles of right and law and repect of the citizens’ will.

WSNIs the Syrian civil society able to change the situation as to democratize and reform the country without some help from the outside?

B.Ghalioun : No. Neither the civil nor the political societies in Syria or in any other Arab country, are able to build up a democratic regime without external support. Yet, the support does not mean foreign intervention. The outside does not mean necessarily an imperialist agenda and political manipulations. It may be also a political and moral support provided by the civil society institutions and the democratic forces as an expression of solidarity with other democratic forces in the world. I do not think that there is any possibility for the democratisation of any country in today’s world if it is not accompanied by a genuine development program, which would need an international support as it was the case for Eastern Europe. This is indeed true for the Middle East, because it is essentially a region of great foreign interventions, and because the despotism out there is the result of these interventions more than the fruit of a local popular will. The help required here from the Western Powers, for the success of democracy , is to stop supporting dictatorial regimes and forcing local economies to respond to the needs of foreign domination, as we see today.

WSN – Is what you said about Syria also relevant to other Arab States?

B.Ghalioun : Surely, it is.

WSN Is democracy a “step by step” build up, or a shock?B.Ghalioun : There is no general theory for shifting to democracy ; and sometimes one may bet on pushing towards democracy throug strong pulsations in case there is a minimum of communication between the power elite and the people. However, when such communication is deficient as we see in several Arab countries, then talking about the “step by step” option is just a waste of time and an adjournment of the sought change. Yet, it is the own nature of the democratic forces and its capacities that finally decide what would be the style of change. In the Arab world, ostensibly there is a great difficulty to push the current regimes to move towards a democratic shift even on a gradual scale. This is a cause of fear from future big social explosions which would not be necessarily a granted way to positive democratic mutations. The result may be as well more chaos and infighting. The point here must be the necessary focalisation on the build up of democratic forces in all cases and probabilities. For these forces are the guarantee for any change, whatever, as they are the guarantee against the dangers of unpredicted explosions.

Paris , August 7, 2006.

Mr Hichem Karoui Editor France World Security Network Foundation www.hichemkaroui.com